الاتصال | من نحن
ANHA

مجلس الرقة المدني .. أفقٌ وتحديات – 1

ملف

الظروف التي دعت لتشكيل مجلس مدني لمدينة الرقة

سيبان سلو – كندال شيخو

الرقة – يعتبر مجلس الرقة المدني الذي تم الإعلان عنه في نيسان/أبريل 2017 المسؤول الأول عن تنظيم المجتمع في مدينة الرقة وإعادة الحياة إليه، عبر تقديم الخدمات الضرورية واللازمة.

بالتزامن مع إطلاق حملة غضب الفرات لتحرير الرقة في شهر تشرين الثاني /نوفمبر من عام 2016 بدأت فعاليات التحضير لإعلان وتأسيس مجلس مدني يشرف على أعمال تنظيم الرقاويين في المناطق المحررة وتوفير الخدمات لهم.

وبعد عدة اجتماعات حملت نقاشات مستفيضة مع وجهاء المنطقة وأصحاب الخبرة تم الإعلان بشكل رسمي عن مجلس الرقة المدني في 18 نيسان /أبريل من العام الجاري. وقد اتخذ المجلس من بلدة عين عيسى مقراً مؤقتاً له، إلى حين تحرير مدينة الرقة.

في ملفنا هذا سنسلط الضوء على بنية وهيكلية هذا المجلس، والأسس الفكرية التي بني عليها، والعملية التي أفضت إلى ولادته بين أبناء الرقّة، إضافة إلى نشاطاته وفعالياته في تنظيم الأهالي.

تجمع لأبناء الرقّة

يمكن التعريف عن مجلس الرقة المدني بأنه تجمع لكافة مكونات الرقة من عرب وكرد وتركمان بالإضافة إلى شرائح المجتمع الرقاوي المختلفة.

تأسس المجلس في سبيل تنظيم المكونات والشرائح على أسس الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، وللإشراف على كافة الأمور الخدمية التي تهم الأهالي ويعمل بشكل مباشر على تأمينها لهم عبر لجانه المتخصصة المعنية كلٌ بمهامها المختلفة.

كما ويعتبر المجلس الجهة الوحيدة المخولة بموضوع العملية الإدارية في الرقة ويملك الصلاحيات في تغيير ما يراه مناسباً في كافة مفاصل العمل ضمن المؤسسات.

وبدأت فعالية التحضير للإعلان عن المجلس بالتزامن مع إطلاق حملة غضب الفرات لتحرير الرقة في شهر تشرين الثاني من العام الماضي.

بعد عدّة اجتماعات وجلسات للّجنة التحضيرية، تم الإعلان عن المجلس يوم 18 نيسان من العام الجاري خلال الاجتماع التأسيسي الذي عقد بمقر مجلس سوريا الديمقراطية في مدينة عين عيسى.

شارك في الاجتماع التأسيسي نحو 100 شخصية من كرد وعرب وتركمان الرقة، إلى جانب حضور قياديين من قوات سوريا الديمقراطية ومجلس سوريا الديمقراطية وعدد من الضيوف بينهم مسؤولون في الإدارة الذاتية الديمقراطية في كري سبي والإدارة المدنية الديمقراطية في منبج.

وانتخب المجلس في اجتماعه التأسيسي كلاً من الشيخ محمود البورسان وليلى مصطفى رئيسين مشتركين، إضافة لتشكيل 14 لجنة متخصصة في مختلف المجالات.

يعلق مسؤول لجنة العلاقات العامة في المجلس عمر علوش، على ماهية تشكيل المجلس بالقول “جاءت ضرورة تشكيل المجلس من المنطلق الاجتماعي، أي أن كل مجتمع بحاجة إلى تنظيم نفسه عبر المؤسسات أو مجالس لإدارة شؤونه، ومجلس الرقة المدني في الظروف التي تمر بها المنطقة كان ضرورة حتمية لا بد منها، لذلك اتفقت إرادة عدد كبير من الأهالي على إيجاد مؤسسة أو مجلس ليتولى مسؤولية الإدارة بعد التحرير لأن القوات العسكرية  قد وعدت بالخروج من المناطق المحررة وتسليمها الى إدارة مدنية ومن هذا المنطلق أسرعت اللجنة التحضيرية للتواصل مع أهالي المحافظة المتواجدين في الداخل والخارج”.

استقلالية القرار

يتكون مجلس الرقة المدني من أبناء محافظة الرقة أنفسهم، ويتألف بالمجمل من الشخصيات الاجتماعية والوطنية، إضافةً لوجهاء العشائر والتكنوقراط من أصحاب الخبرة من مهندسين ومحامين ومعلمين وغيرهم. ولا يملك أعضاء المجلس في الوقت الحالي أي خلفيات سياسية أو حزبية، مما يعني أن أغلبية الأعضاء يتمتعون بالاستقلالية.

ويقول عمر علوش “إن ما جمع أبناء الرقة في هذا المجلس هو أن آرائهم السياسية تعتمد بشكل موحد على محاربة الإرهاب وضرورة تغيير النظام السياسي في سوريا نحو الديمقراطية والتعددية، لذا فإن مجلس الرقة المدني لا يحوي أحزاب بصفة رسمية بل يضم الوطنيين السوريين من أهالي الرقة على اختلاف تبعاتهم السياسية”.

لكن ذلك لا ينفي أيضاً، أن المجلس قد لا يقبل مشاركة من أحزاب سياسية في الرقة مستقبلاً، بحسب علوش.

المرأة والشبيبة

وتشارك المرأة بفعالية في الرئاسة المشتركة وعضوية اللجان التابعة لمجلس الرقة المدني، وتعتبر هذه المشاركة هي الأولى من نوعها للمرأة في إدارة شؤون منطقة الرقة. وللشباب دور ريادي أيضاً بموجب البند الثالث من المادة 24 للنظام الداخلي للمجلس.

عضوية المجلس ليست حكراً على من يعتنقون ديانة أو معتقد محدد، إنما أعضاء المجلس يشكلون معاً مزيجاً من الألوان والأطياف والمعتقدات المختلفة.

الهيكلية التنظيمية

يتألف مجلس الرقة المدني من ديوان مؤلف من رئاسة مشتركة رجل وامرأة وثلاثة نواب للرئاسة يشترط أن يكون أحد النواب على الأقل امرأة، ويتولى النواب الثلاث بدورهم أمانة السر وأحدهم مقرراً وأميناً للصندوق.

كما يتكون المجلس من عدة لجان تم اعتمادها من قبل الهيئة العامة وهي 14 لجنة وتسمى اللجان الدائمة التي تشكلت في أول جلسة عقدها المجلس.

واللجان هي “اللجنة الاقتصادية والمالية، لجنة الأمن والحماية، لجنة الرقابة والتفتيش، مكتب المنظمات والشؤون الانسانية، لجنة التربية والتعليم، لجنة العلاقات العامة، لجنة الإعلام، لجنة المجالس (التنظيم الاجتماعي)، لجنة المطاحن والمخابز، لجنة الخدمات العامة والبلديات وتضم ثلاثة مكاتب هي مكتب الطاقة ومكتب المياه ومكتب الصرف الصحي والنظافة، لجنة الرياضة والشباب، لجنة الصحة، لجنة العدالة الاجتماعية ولجنة المرأة”.

وتقول العضوة في مجلس الرقة المدني رشا الهبود، بأن كل لجنة تقوم بدورها بالتنسيق مع الهيئة الإدارية لضمان السلاسة في العمل ضمن المجلس كما وتكون هذه اللجنة في حالة اتصال المباشر مع الأهالي.

وقد عكف أهالي المنطقة على تشكيل كوميناتهم منذ الإعلان عن تشكيل مجلس الرقة المدني في البداية حتى وصل عددها 170 كوميناً، ومن ثم اتحدت بعض الكومينات لتشكل مجالس شعبية.

وتشبه بنية وهيكلية المجالس الشعبية في القرى والبلدات ببنية وهيكلية مجلس الرقة المدني تقريباً، إلا أن كل منها تتمتع في الوقت ذاته بخصائص تختلف بحسب التنوع الديمغرافي والجغرافي من منطقة إلى أخرى. ووصل عددها حتى الآن لنحو 8 مجالس، أبرزها المجلس الشعبي لبلدة عين عيسى، مجلس بلدة الهيشة، مجلس الجرنية، مجلس الكرامة ومجلس الطبقة وغيرها.

على ماذا يستند المجلس فكرياً؟

تعتبر مبادئ الديمقراطية والتعايش المشترك وأخوة الشعوب ومحاربة الإرهاب بكافة أشكاله، الأساس الجامع لأبناء الرّقة الذين عانوا الويلات في عصر الجهالة الداعشية، في الدفع بعجلة التقدم الحضاري للأمام.

كما يسعى المجلس إلى إبراز دور المرأة في المجتمع وتمكينها سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، عبر الإعلام، وإقامة ورش العمل والمؤتمرات التي تعنى بحقوق المرأة، بحسب ما ينص عليه البند 36 من المادة الرابعة للنظام الداخلي للمجلس.

ويرى المجلس أن من واجبه إعادة الاعتبار للمرأة وإعطائها أهميتها في المجتمع، بعد أن اعتبرها مرتزقة داعش مجرد سلعة فقط في فترة سيطرتهم على المنطقة.

ويجد المجلس أيضاً، بأن الفئة الشابة هي عماد الحياة ويرى من الضروري رفع مستوى كفاءتهم وتطويرهم في مختلف المجالات.

وإحدى النقاط الهامة الأخرى، التي يستند عليها المجلس في بنيته الفكرية، هي مبدأ الأكولوجيا أو المحافظة على البيئة والطبيعة وحمايتها، بحكم أن منطقة الرقّة منطقة زراعية خصبة وغنية.

التحديات التي تواجه المجلس

خلافاً لحجم الدمار المادي الذي خلفه مرتزقة داعش ورائهم بعد توالي هزيمتهم في المنطقة، فإن حجم الدمار الفكري والنفسي يعدّ أكبر التحديات التي يسعى مجلس الرقة لمواجهتها.

فعلى الرغم من أن الريف الرقّاوي تحرر بالكامل من مرتزقة داعش، إلا أن أبنائها يحتاجون لفترة من الزمن للتأقلم مع الوضع الجديد ونسيان الماضي.

ولا تزال الكثير من الذكريات الأليمة عالقة في الأذهان، كما لا تزال العديد من كتابات داعش المنتشرة على جدران المنازل والمرافق العامة تذكر أبنائها بحقبة السواد، حسب وصف سكان المنطقة.

يجد مجلس الرقة المدني نفسه في تحدي كبير، لبناء مجتمع ديمقراطي تعددي على أنقاض مجتمع نهشه الإرهاب والأفكار البعثية الشوفينية، على حدّ وصف عضو العلاقات العامة عمر علوش.

ويستعد المجلس في الفترة القادمة، لبدء دورات تدريب فكرية لأعضائه، عن أسس الديمقراطية والتعددية والتعايش المشترك وحرية المرأة والإيكولوجيا، وحسب المعلومات الواردة فإن إحدى المجموعات مؤلفة من نحو 30 شخصاً يستعدون لخوض التدريب الفكري.

غداً: أبرز التحديات والمهام التي تنتظر المجلس

(هـ ن/ج)

ANHA