الاتصال | من نحن
ANHA

ماذا يمكن أن يحقق مؤتمر سوتشي؟!

أكرم بركات

مركز الاخبار- مرت ستة أعوام على الأزمة السورية وها هي تدخل عامها السابع، ولم تقدم حتى الآن أية من القوى التي تدعي بأنها معارضة ولا حتى النظام السوري أي حل للخروج من الأزمة التي تتفاقم يوماً بعد يوم، رغم تدخل معظم القوى العالمية وفي مقدمتها أمريكا وروسيا، وقوى إقليمية كإيران وتركيا والسعودية وقطر. وسط تهميش دور القوى الفعالة على الأرض والتي تمتلك مشروعاً ديمقراطياً، مطبقاً على أرض الواقع. وتحضر روسيا الآن لعقد اجتماع في مدينة سوتشي الروسية، ولكن الغموض يكتنف أجنداته. ولم تفصح الدول الراعية للمؤتمر، روسيا وتركيا وإيران، إلا عن القليل من أهدافه وجدول أعماله.

بعد اندلاع الأزمة السورية في 15 آذار/مارس 2011، وتحولها إلى صراع مسلح على السلطة بفعل تدخل عدّة قوى عالمية وإقليمية في الوضع السوري، وعدم تخلي النظام عن عقليته الشوفينية، تحولت سوريا إلى ساحة صراع بين النظام وما سمت نفسها بالمعارضة، حتى آلت الأوضاع إلى تعليق معظم السوريين آمالهم على القوى العالمية لحل الأزمة السورية.

وباتت الأزمة السورية، أزمة عابرة للقارات وبدأ التعامل معها بوصفها أزمة صعبة ومعقدة، ويتطلب الخوض في تسويتها عقد قمم ومؤتمرات واجتماعات عديدة ما بين جنيف وفينا وأستانا، مروراً بالرياض وصولاً إلى سوتشي، وكان شبح الإخفاق سيداً على كل تلك القمم والمؤتمرات والمباحثات والاجتماعات، والسبب يكمن في تهميش القوى الفعالة على الأرض، وسعي القوى الإقليمية والعالمية المحافظة على مصالحها داخل سوريا، ولعب تلك القوى لعبة الشطرنج ما بين النظام وبين من ادعت نفسها معارضة سورية. وأسفر تفاقم الأزمة عن مقتل مئات الآلاف من السوريين وتهجير الملايين.

روسيا وإيران وحزب الله، حركوا النظام بحسب مصالحهم في سوريا. روسيا بهدف تمكين وجودها في سوريا وبناء قواعد وإطالة عمرها ضمن سوريا، كما حدث في الاتفاق الأخير الذي أبرمته روسيا مع النظام السوري، الذي نص على وجود قوات روسيا في سوريا لمدة 49 عاماً، وإيران التي تهدف لتشكيل الهلال الشيعي الممتد من طهران مروراً ببغداد إلى سوريا ومن ثم لبنان.

تركيا ومعها السعودية وقطر، ولإفشال وجود أي كيان أو معارضة حقيقية ديمقراطية، وبحجة منع وجود أي كيان كردي، والسيطرة على قسم من الجغرافية السورية، شكلت مجموعات سياسية وعسكرية وادعت أنها سورية، وكانت كالدمى بيد تركيا تحركها كما تشاء، بدءاً من المجلس الوطني السوري وانتهاءاً بتشكيل مرتزقة درع الفرات. ناهيك عن الدعم المباشر الذي قدمته لجبهة النصرة أثناء الهجمات على سريه كانيه في إقليم الجزيرة بشمال سوريا أواخر عام 2012 ومرتزقة داعش أثناء هجماتهم على مقاطعة كوباني في إقليم الفرات منتصف عام 2014.

جنيف بين رحيل الأسد، والادعاءات بمحاربة الإرهاب

في البداية عقدت سلسلة من الاجتماعات في مدينة جنيف السويسرية برعاية الأمم المتحدة، يوم 30 حزيران/ يونيو 2012 تحت مسمى اجتماعات “مجموعة العمل من أجل سوريا”، بناء على دعوة كوفي عنان مبعوث الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا.

وضمّ الاجتماع كلاً من الأمين العام للأمم المتحدة والأمين العام لجامعة الدول العربية ووزراء خارجية الاتحاد الروسي وتركيا والصين وفرنسا وقطر (رئيسة لجنة جامعة الدول العربية لمتابعة الوضع في سوريا ) والعراق (رئيس مؤتمر قمة جامعة الدول العربية) والكويت (رئيسة مجلس وزراء الخارجية التابع لجامعة الدول العربية ) والمملكة المتحدة وإيرلندا الشمالية والولايات المتحدة وممثلة الاتحاد الأوروبي السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، برئاسة المبعوث الخاص المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية لسوريا.

واستمرت هذه الاجتماعات حتى 28 تشرين الثاني/نوفمبر موعد انطلاق المرحلة الأولى من جنيف 8 الذي عقدت جولته الثانية في الفترة ما بين 8 – 14 كانون الاول/ديسمبر، ولكنها جميعاً فشلت، ولم تأتي بأية نتائج إيجابية للشعب السوري، على عكس ذلك تسببت بتفاقم الأزمة. فالنظام الذي يتلقى الدعم من روسيا وإيران وحزب الله بشكل مباشر، كان يدّعي بأن مفاتيح حل الأزمة بيده، من خلال التحجج بمكافحة الإرهاب، ونعت جميع السوريين المعارضين له بالإرهاب، وقصف وتدمير البنى التحتية لمعظم مدن سوريا. والمعارضة التي كانت كالدمية بيد تركيا والسعودية وقطر، والتي كانت تخرج كل يوم بما يسمى بمشاريع جديدة لم تكن مكتوبة حتى على الورق، وكان هدفها وشعارها في كل محفل محصورة برحيل الأسد.

صراع كلا الطرفين، النظام وما تسمى بالمعارضة كان على السطلة فقط لا أكثر. وكلا الطرفين يمتلكان نفس الذهنية السلطوية الهادف لاستلام مقاليد الحكم في سوريا. بالرغم من تغيير أشكال وشخصيات ووفود ما يسمى بالمعارضة لعدّة مرات متتالية.

من أبرز نتائج مباحثات جنيف 8 خروج وفود كل من النظام وما تسمى المعارضة بلا مشاريع، والإعلان عن انتصارهم على الآخر بشكل خلبي عبر الوسائل الإعلامية.

الكاتبة السورية سميرة المسالمة طرحت عدّة تساؤلات حول مباحثات جنيف بين النظام وما تسمى بالمعارضة السورية في مقال لها بصحيفة، الحياة، بتاريخ 29 كانون الأول/ديسمبر 2017، وهي على الشكل التالي “ما هو فهم المعارضة، التي يمثلها هذا الوفد، للعملية التفاوضية؟ وهل يتمثل النجاح بالذهاب إلى المفاوضات فقط من دون النظر إلى الأهداف المحددة لكل جولة، والتي يفترض على أساسها أن يتم الإعلان عن جولات لاحقة؟ وهل الوفدان المعنيان بالصراع، أي النظام والمعارضة، يملكان مفاتيح الحل حقاً، أو هل المعارضة، على الأقل، تملك من أوراق القوة والضغط ما يمكّنها من فرض الحل الذي تريده ولو بالحدود الدنيا؟ وأخيراً هل العملية التفاوضية هي مجرد إجراء شكلي، أي لتحقيق صورة إعلامية، حتى مع غياب الوفد المقابل؟ أو هل يكفي ذلك لإعلان الوصول إلى نتائج ترفع معنويات من يحضره، وتجعله يعتبر أداءه أفضل من غيره أو أنه أدى مهمته وأن كل شيء على ما يرام؟”.

الكاتب السوري محمد أرسلان رجح تأزم الأزمة السورية وفشل كافة المباحثات والاجتماعات التي عقدت من أجل حل الأزمة السورية في مقال نشر على موقع صدى البلد المصري في 30 كانون الأول/ديسمبر 2017، إلى عدم تخلص المعارضة والنظام من عقليتهم الدوغمائية المعتمدة على التعصب الشوفيني القوموي والطائفي والمذهبي، وبيّن وأن الطرفين المتناحرين يُصران على عقليتهم هذه ويعتمدانها على أنها الدواء الشافي لهذا المرض الذي يعاني منه الجسد السوري، كِلا الطرفين على خطأ ولا يمكن الاعتماد عليهما أبداً في حل هذه المعضلة، فلا النظام وخلال عقود من الزمن لم يستطع استيعاب المجتمع بشكل ديمقراطي، ولا المعارضة التي تعتمد على تركيا استطاعت خلال سنوات الثورة أن تقدم الحل الجديد للشعب السوري، وكأن الاعتماد على تركيا سيجلب الحلول للمشاكل التي تعانيها سوريا، بل على العكس إن تركيا هي من لها اليد الطولى في تمزيق النسيج السوري ونشر الدمار والخراب فيها.

وتم ملاحظة أن الوفدان (النظام والمعارضة) لم يكونا معنيين بالصراع ولم يملكان أي مفاتيح للحل، والعملية التفاوضية كانت مجرد إجراء شكلي لتحقيق صورة إعلامية لا أكثر.

والسبب الأساسي حول فشل الاجتماعات الثمانية لمباحثات جنيف، يكمن في عدم إشراك القوى الفاعلة على الأرض في تلك المباحثات، القوى ذات الفكر الديمقراطي التعددي، القوى التي لها قوى عسكرية وأمنية ساهمت في تحرير وبسط الأمان في مناطق واسعة من جغرافية شمال سوريا (روج آفا، وكري سبي، والشدادة، ومنبج، والرقة، والطبقة والريف الشرقي لدير الزور).

أستانا .. الصراع على اثبات النفوذ في سوريا

بعد فشل وعدم وصول القوى الراعية لمباحثات جنيف لإيجاد حل للأزمة السورية، التي عقدت بين النظام القمعي وما تسمى بالمعارضة السورية المتشكلة على أسس المصالح والارتباط الخارجي، عقد خبراء من روسيا وتركيا وإيران والأمم المتحدة اجتماعاً فنياً في العاصمة الكازاخستانية أستانا، بحجة مناقشة تفاصيل تنفيذ عملية اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا، في 23 كانون الثاني/يناير 2017.

لم يحضر النظام السوري وما تسمى بالمعارضة السورية اجتماع أستانا الأول، بل الدول الراعية فقط حضرت، (روسيا، وتركيا وإيران)، أستانا 1 فشل أيضاً، والسبب يكمن في بحث الدول الراعية عن مصالحها فقط، ونشب خلاف تركي روسي بشأن أجندة هذه المباحثات، وإصرار موسكو ومعها إيران على دعم النظام وعدم تقديم أية تنازلات لصالح المعارضة والمجموعات المسلحة التي تدعمها تركيا. وبدورها أصرت تركيا على دعم المجموعات التي تدعمها في سوريا، بهدف احتلال مناطق أخرى ضمن الجغرافية السورية.

الاجتماع الثاني لأستانا عقد في 16 شباط/فبراير، والثالث في 14 آذار/مارس، الرابع في 1 أيار/مايو، الخامس كان في 5 حزيران/يونيو، السادس عقد في 15 أيلول/سبتمبر، السابع في 30 تشرين الأول/أكتوبر والثامن عقد في 21 كانون الأول/ديسمبر من العام 2017. الاجتماعات الثمانية لم تثمر عن أية نتائج سوى مساهمة تركيا في تقليص قوى المعارضة بالاتفاق مع روسيا وإيران، بالرغم من الحضور الشكلي لوفد النظام وما تسمى بالمعارضة بعض تلك الاجتماعات. بل على العكس تأزم الواقع السوري أكثر فأكثر. لأن الدول الراعية بحثت خلال تلك الاجتماعات حول كيفية تقوية نفوذها في سوريا، روسيا وإيران الداعمتين للنظام وتركيا الداعمة الرئيسية للمجموعات المسلحة التي تسمي نفسها معارضة.

ويمكن تلخيص اجتماعات أستانا، بأنها اجتماعات لتوزيع النفوذ بين القوى التي تتصارع في سوريا، صراع مصالح وتقاسم نفوذ، بين كل من روسيا وإيران الداعمتين للأسد وتركيا الداعمة لما تسمى بالمعارضة، وطرح كلا الطرفان خلال تلك الاجتماعات مشاريعهم وأجنداتهم المختلفة.

وبالنظر إلى النتائج التي خلفتها مباحثات جنيف واجتماعات أستانا نلاحظ جلياً، بأن القوى الراعية والوفود التي حضرت تلك الاجتماعات والمباحثات كان لكل منهم هدف التصارع والتناحر على جغرافية سوريا، ولم يفكر أحد منهم بالشعب السوري بقدر ما سيجنيه من تلك المؤتمرات، بالإضافة لإضعاف كل طرف للطرف الآخر.

أمام هذه الخيبات في الاجتماعات واللقاءات السابقة .. ماذا يمكن أن يقدم سوتشي ؟!

الآن تتحضر روسيا لعقد اجتماع في سوتشي، وبحسب روسيا سيحضر ذلك الاجتماع قرابة 1500 شخص من كافة أطياف سوريا، وبالنظر إلى المعطيات والتطورات الأخيرة الحاصلة في سوريا، والمعلومات التي نشرت على الوسائل الإعلامية بصدد المدعوين لحضور الاجتماع، جدول أعماله مازال غامضاً، ولم تفصح الدول الراعية، روسيا وتركيا وإيران، إلا عن القليل من أهدافه وجدول أعماله.

وبحسب تصريحات أردوغان في وقت سابق “أن سوتشي سيفضي إلى صياغة مشروع دستور تُقام على أساسه انتخابات حرة في سوريا”.

ووفق وكالة سبوتنيك الروسية، أوضح ميخائيل بوجدانوف نائب وزير الخارجية الروسي أن “لجنة دستورية ستُشكّل في المؤتمر لتكون بمثابة مصدر للتشريع حول كافة المسائل”.

رئيس تيار الغد السوري أحمد الجربا وفي تصريح متلفز لقناة روسيا في 27 كانون الأول/ديسمبر 2017، قال بصدد اجتماع سوتشي، إن المعارضة ليس لديهم أية خطة مستقبلية من أجل صياغة مسودة دستور لسوريا المستقبل. ولفت الانتباه بأن ما تسمى المعارضة والنظام ليسوا أصحاب القرار. وبيّن بأن هناك أطراف أخرى وتدخلات ونفوذ خارجي في الوضع السوري سواء الإقليمي أو الدولي كبير.

أما من يسمى بالمتحدث باسم هيئة التفاوض السورية يحيى العريضي في تصريح لتلفزيون الجزيرة بصدد اجتماع سوتشي، فقال “هناك من يريد أن يصادر دور المجتمع الدولي والدول الفاعلة فيه ليُفصّل الحل السياسي على مقاسه ولأجل مصالحه ومصلحة حلفائه في تجسيد صارخ لفرض قانون القوة على مسار الحل وليس قوة القانون”.

وبدوره أوضح مبعوث الكرملين الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتيف، في تصريح لوسائل إعلامية روسية أن “لا مكان في سوتشي لمن يطالب بالرحيل الفوري لبشار الأسد”.

ما نلاحظه بأن الدول الراعية لسوتشي تحاول صياغة دستور لسوريا المستقبل، وما تسمى بالمعارضة السورية ليس لديها أية خطة بصدد ذلك، فإذ ما كانت روسيا جادة في تسريع التسوية السورية، يجب أن تدعو ممثلي الشعب السوري جميعاً، وعلى رأسهم ممثلي النظام الفيدرالي الديمقراطي لشمال سوريا، والذين يمتلكون مشروعاً ديمقراطياً بحسب مبادئ وأسس الأمة الديمقراطية التي تعتمد العيش المشترك بين المكونات في الدرجة الأولى، والتخلي عن النزعة الطائفية والمذهبية.

وفي حال عدم حضور ممثلي شمال سوريا، الذين حرروا مساحة 35% من الجغرافية السوريا من مرتزقة داعش وباقي الفصائل المدعومة من قبل تركيا والسعودية التي حاولت السيطرة على خيرات المنطقة، فإن الدول الراعية لسوتشي، روسيا وتركيا وإيران، يهدفون لإعادة الشرعية للنظام السوري، ودمج ما تسمى المعارضة السورية مع النظام، والقيام بما تسمى بالمصالحة الوطنية.

(ج ر/ك)

ANHA