الاتصال | من نحن
ANHA

ماذا يحدث في إدلب -2

أردوغان ألتان

رغم هزيمة أحرار الشام في إدلب إلا أن تركيا لم تتخلى عن مساعيها في دخول مدينة إدلب، وتسعى مؤخراً إلى إدخال القوات المسلحة التركية إلى المدينة. المواقع الإعلامية المقربة من حزب العدالة وإردوغان باتت تروج لهذا الأمر. إلا أن مرتزقة هيئة تحرير الشام أصدرت بدورها بيانات مضادة قالت فيها “إن الثورة مستمرة” في رد واضح على مساعي الدولة التركية. وبحسب البيان فإن تحرير الشام قررت التصدي للجيش التركي في حال دخول قواته إلى إدلب، وبناء عليه فقد حشدت جميع قواتها إلى منطقة إدلب. وأقدمت مرتزقة تحرير الشام على سحب قواتها من مدينة عرسال على الحدود اللبنانية السورية بموجب اتفاقية مع حزب الله،  وينص الاتفاق بحسب المعلومات على نقل ما يقارب 9 آلاف شخص من عناصر المرتزقة مع عائلاتهم من مدينة عرسال إلى مدينة إدلب.

وفي موازاة هذه التطورات الأخيرة وفي إطار مساعيها الرامية للدخول إلى إدلب أرسلت الدولة التركية وفداً خاصاً للقاء قادة جبهة النصرة، اللقاء تم بواسطة مجموعة ما يسمى بنور الدين زنكي التابعة للجيش السوري الحر والمعروفة بعلاقاتها القديمة مع جبهة النصرة. ورغم عدم ظهور نتائج وفحوى اللقاء إلا أن مصادر محلية أشارت إلى عزم تركيا فتح معبر باب الهوى على الحدود بين تركيا وإدلب للتبادل التجاري وكذلك للمنظمات التي ترسل المساعدات إلى إدلب في حال وافقت تحرير الشام، أي جبهة النصرة على دخول الجيش التركي إلى إدلب والمشاركة مع أحرار الشام في الهجوم على عفرين. ولا يعرف ما إذا كانت جبهة النصرة وافقت على هذه الشروط أم لا، ولكن المؤشرات تشير إلى عدم موافقتها بدليل احتدام الاشتباكات بين أحرام الشام وتحرير الشام بعد أن أعلنت إدارة ترامب إيقاف إمداد المرتزقة بالأسلحة. حيث استغلت هيئة التحرير هذه الأمر وحققت تقدماً على الأرض.

من جهة أخرى يرجح البعض احتمال أن تكون هذه المطالب والمقترحات قد لاقت استحسان تحرير الشام وأن تكون قد قبلت بها لتطبيق مشروعها الرامي إلى تسليم المدينة لإدارة مدنية. فيما يرجح بعض المراقبين أن تكون المعارك الدائرة في إدلب مجرد لعبة استخباراتية من الدولة التركية.

وهناك حقيقة أخرى وهي أن إقدام الدولة التركية على التعامل مع المجموعات السلفية والجهادية في إدلب كما فعلت سابقاً في خط إعزاز والباب، يعتبر مخاطرة كبيرة في ظل المساعي الأمريكية والروسية لخلق توازنات جديدة في المنطقة.

أمريكا دخلت على الخط

أول رد للولايات المتحدة الأمريكية حول المستجدات في إدلب جاء على لسان مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص لدى التحالف الدولي ضد داعش بريت ماكورك,. وشارك ماكورك في 27 تموز المنصرم في المناقشات التي أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وقال فيها “إن منظمة القاعدة الإرهابية تمكنت من إيجاد أكبر منطقة آمنة لها منذ هجمات الـ 11 من أيلول في أمريكا، وذلك في منطقة إدلب بمحاذاة الحدود التركية”. وقال ماكورك في سياق حديثه إن مرتزقة القاعدة لم تأتي من السماء إلى إدلب، إلا أن أمريكا سوف تحل قضية إدلب مع تركيا والمجموعات التابعة لها.

وفسرت تصريحات بريت ماكورك بداية في غير سياقها، فالإعلام التركي اعتبر هذه التصريحات من باب الدعم والمساندة الأميركية، وبدأت وسائل الإعلام التركية تروج بأن روسيا وأمريكا وتركيا سوف يعلنون الحرب سوية ضد تحرير الشام في إدلب. ولم تفسر تركيا تصريحات ماكورك في سياقها الصحيح إلا بعد مرور أربعة أيام. وجاء ذلك على لسان المتحدث باسم الجمهورية التركية ابراهيم كالن الذي قال “لا يجوز لأحد ربط وجود التنظيمات الإرهابية في إدلب بتركيا”. أي أن كالن بدأ باستيعاب وفهم تصريحات ماكورك. فتصريح ماكورك بأن “مرتزقة القاعدة لم يأتوا من السماء إلى إدلب” كانت تعني بشكل مباشر أنهم دخلوا إدلب من الأراضي التركية وأن تركيا لا زالت على علاقة مع هذه المنظمة الإرهابية.

بالنظر إلى تصريحات بريت ماكورك يمكن للمرء استخلاص العديد من التكهنات فيما يتعلق بسياسية ومخططات أمريكا في سوريا، فمن الواضع أن أمريكا سوف تتدخل في إدلب. أمريكا لن تقبل وجود تحرير الشام في إدلب، الأمر الذي يعقد العلاقات التركية الأمريكية. والسؤال هو لماذا يتهم الأمريكان في تصريحاتهم الدولة التركية بدعم القاعدة؟ من المعلوم إن للدولة التركية جملة مع العلاقات مع المجموعات المرتزقة التابعة للقاعدة. إلا أن تركيا سعت إلى تجربة حظوظها في القضاء على تحرير الشام، لكن سياستها تلك فشلت، وبعد فشلها تبحث تركيا الآن عن مخططات بديلة، مما يرجح احتمال عودة تركيا إلى التحالف مع هذه المجموعات. وكما أكدنا أعلاه فإن تركيا تسعى إلى التواصل مع تحرير الشام عبر المجموعات التابعة للميت التركية مثل مجموعات نور الدين زنكي والجبهة التركمانية.

تحضيرات الحرب الكبرى

لا يمكن ربط التطورات والمستجدات الأخيرة بالتناقضات بين الدولة التركية وتحرير الشام فقط. والحقيقة إن تصريحات بريت ماكورك من جهة وكذلك تحركات مرتزقة تحرير الشام من جهة أخرى تشير إلى استعدادات لبدء معركة كبرى في إدلب، هذه المعركة أو الحرب لن تكون مجرد حرب بين الدولة التركية وتحرير الشام. لأن إدلب تحولت مرة أخرى إلى موضوع للصفقات بين القوى العالمية والإقليمية.

مشاريع الدولة التركية في إدلب لم تسفر حتى الآن عن أية نتائج الأمر الذي دفع كل من روسيا والنظام إلى التراجع نوعاً ما عن دعمهما لتركيا، وفضلت التدخل بشكل مباشر بدلاً عن ذلك.

وتندلع بشكل خاص اشتباكات متقطعة بين قوات النظام السوري ومرتزقة تحرير الشام في مناطق غرب حلب. كما كثفت القوات الأميركية طلعاتها الجوية في المنطقة. فمن المعلوم أن منطقة إدلب أعلنت كمنطقة “خفض التوتر” بموجب توافقات اجتماع استانا، ومنذ ذلك الوقت لم تحلق أية طائرات حربية فوق سماء إدلب، إلا أن أول طائرة استطلاع أمريكية حلقت فوق سماء إدلب بتاريخ الثاني من شهر آب الجاري.

بالتزامن مع هذه المستجدات كثفت مرتزقة تحرير الشام تحركاتها في مناطق سوريا ولبنان. حيث بدأت تحرير الشام بتسليم جميع المناطق التي كانت تسيطر عليها إلى قوات النظام أو إلى الجيش الحر باستثناء منطقة إدلب، كما انسحبت من بلدة عرسال على الحدود اللبنانية ودخل حوالي 9 آلاف عنصر مع عائلاتهم إلى منطقة إدلب. وكذلك الأمر بالنسبة لمناطق شرقي الغوطة في ريف دمشق. ويبدو أن مرتزقة تحرير الشام تسعى إلى حشد جميع قواتها في إدلب. إذا كانت القاعدة وفرعها السوري (تحرير الشام) تسعى إلى صد التدخل التركي في إدلب، فلماذا إذاً فضلت التخلي عن جميع المناطق الأخرى التي كانت تحت سيطرتها وحشدت جميع قواتها في إدلب. وقد يكون التفسير سابق لأوانه، ولكن يبدو أن تحرير الشام تستعد لحرب الوجود أو الفناء، فلا يعقل أن تكون كل هذه التحركات والاستعدادات لمحاربة الدولة التركية فقط، بل إن تحركات تحرير الشام واستعداداته تشمل أيضاً التصدي للاتفاق الأمريكي الروسي الخاص بإدلب.

إذاً فروسيا وأمريكا اتفقتا في موضوع إدلب، وعليه فإن القوى التي تدعم المجموعات المرتزقة ستكون ضحية سياساتها الخاطئة في المنطقة.

(ك)