الاتصال | من نحن

ماذا يجري في عفرين؟

دليار جزيري

منذ مدة والدولة التركية تهدد إقليم عفرين وتقول بأنها ستقوم باحتلاله، ولكن وبسبب الخلافات بين تركيا وروسيا لم تكن تستطيع الهجوم. الرئيس التركي أردوغان هدد عدة مرات بشكل رسمي بالهجوم على عفرين التي استطاعت الحفاظ على سلمها الأهلي منذ بداية الأزمة السورية وأصبحت ملاذاً آمناً لمئات الآلاف من النازحين من المناطق السورية الأخرى. الوضع في عفرين كان يخيف الدولة التركية وأعوانها من الناحية السياسية لأن حل الأزمة السورية ينبع من عفرين وأرادوا القضاء على بذور الحل فيها. فقام أردوغان بالتحرك وتوجه إلى هنا وهناك واجتمع مع جميع الأطراف وقدم مشاريعه لهم، وموضوع عفرين كان حاضراً دائماً في اجتماعات استانا.

روسيا أيضاً شريك في الهجوم

في النهاية صرح أردوغان عبر وسائل الإعلام بأنه سيهاجم عفرين ويعيد ملايين اللاجئين السوريين إلى مناطقهم. كما قال بأنه بذلك سيحمي أمن حدوده. ولكن في المقابل أهالي عفرين ومقاتلوها اتخذوا تدابيرهم لمواجهة جميع الظروف وقالوا:” فليحصل ما يحصل”. ولكن عندما سحبت روسيا قواتها المتواجدة في عفرين بهدف المراقبة اتضح بأن روسيا وأردوغان قد اتفقا. الأمر الملفت أن الجيش السوري أيضاً بدأ بالتقدم سريعاً باتجاه إدلب في ذلك الوقت. وفي المحصلة اتفقت روسيا وتركيا ونظام البعث ضد عفرين. بهذا نكثت روسيا بكل وعودها للكرد. ونتيجة ذلك جلب أردوغان مرتزقة النصرة من إدلب إلى حدود عفرين، كما جمع هناك بقايا داعش وقاموا بالهجوم على عفرين. أردوغان قال إن هجومه سيكون قصيراً وناجحاً. ولكن ما زالت الهجمات التركية مستمرة على عفرين منذ أكثر من 20 يوماً وبموافقة روسيا.

ماذا كانت النتيجة؟

في هذه الأيام التي تتعرض فيها عفرين للهجمات رفع الأهالي والمقاتلون شعار مقاومة العصر. قامت الدولة التركية ومرتزقتها الذين أخذوا الضوء الأخضر من روسيا بقتل وجرح مئات المدنيين. على الرغم من كل الهجمات والقصف لم يتخلَّ الأهالي عن منازلهم وبقوا صامدين في مناطقهم. وفي جبهات القتال قال مقاتلو عفرين كلمتهم ووفوا بوعدهم بحماية عفرين ووجهوا ضربات قوية للمهاجمين. في الوقت نفسه انتفض الشعب الكردي في أجزاء كردستان الأربعة وأوروبا والعديد من دول العالم وحتى الأكراد المعارضين للإدارة الذاتية الديمقراطية انضموا إلى الفعاليات. نستطيع القول إن عفرين هيأت الأرضية لانعقاد المؤتمر الوطني الذي يُطلب انعقاده منذ فترة طويلة ولكنه لم ينعقد إلى الآن. ومن جهة أخرى توجهت جميع شعوب إقليمي الجزيرة والفرات لعفرين لمساندتها ودعمها أمام الهجمات. يمكن القول إنه بتوجه شعوب ومكونات الجزيرة والفرات إلى عفرين لم يعد هناك أي معنى للحدود بين عفرين والمقاطعات الأخرى.

ماذا أضاعت تركيا؟

في المقابل أردوغان وجيشه الذين كانوا يعقدون آمالاً كبيرة على الهجوم على عفرين بدل أن يحققوا الانتصارات أضاعوا الكثير من الأشياء. نشبت خلافات بين الجيش التركي ومرتزقة درع الفرات الذين يعملون تحت إمرته في إعزاز وجرابلس والباب، وفي إدلب القوات المحلية التي كانت تثق حتى الآن بأردوغان وجيشه يقولون إن تركيا باعتهم. وعلى الساحة الدولية التي ساد فيها الصمت حيال الهجمات على عفرين منذ أكثر من 20 يوماً ولكن بعد أن طالت مدة الهجوم وارتكب الجيش التركي جرائم ضد الإنسانية ارتفعت الأصوات المنددة بالهجمات شيئاً فشيئاً.

نستطيع تقييم زيارة أردوغان للفاتيكان ضمن هذا الإطار. في الأيام القادمة كلما تم تصعيد مقاومة عفرين أكثر ستقوم هذه الجهات بالكشف عن رفضها للهجمات بشكل أوضح.

روسيا التي أعطت الإذن لتركيا بالهجوم وهيأت نفسها لاستقبال النازحين من عفرين صدمت من مقاومة أهالي عفرين ومقاتليها. برأيي إسقاط الطائرة الروسية في إدلب يكشف عن التناقضات بين روسيا وتركيا. كما تظهر من خلال التصريحات الإيرانية بخصوص عفرين أن الخلاف بدأ يدب بين شركاء أستانا. بالإضافة لهذه النتائج السلبية الخارجية هناك ضغوطات على أردوغان من الداخل أيضاً.

عفرين والموقف الأمريكي

أثرت مقاومة العصر على الموقف الأمريكي أيضاً. أمريكا التي ساندت وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية بعد مقاومة كوباني وحتى تحرير الرقة وما زالت تساندها في دير الزور، وبنتيجتها تلقى مرتزقة داعش الذين كانوا يسيطرون على معظم الأراضي السورية ضربات قوية وأوشكوا على الانتهاء. التزمت أمريكا الصمت في عفرين بذريعة أن وجودها ينحصر فقط في شرق نهر الفرات.  نستطيع القول بأنها وبصمتها هذا شريك لتركيا في هجومها على عفرين. أمريكا وتركيا حلفاء في الناتو وكانت تستطيع إيقاف هجماتها ولكنها لم تفعل.

الآن وبعد أن قاومت عفرين وانتصرت على هجمات الجيش التركي تعلم أمريكا بأن الشعب في الشمال السوري فقد ثقته بها لذلك قامت في دير الزور بالهجوم على مجموعات تابعة للنظام السوري كانت تريد مهاجمة قوات سوريا الديمقراطية وقتلت العشرات منهم. أمريكا بهذا العمل تريد أن تقول لشعوب شمال سوريا التي فقدت ثقتها بها بأنها ستساندها حتى النهاية.

برأيي أمريكا التي كانت حتى الآن تتقرب بحذر من قوات سوريا الديمقراطية وكان دعمها لها محدوداً ستزيد من دعمها وستساند قوات سوريا الديمقراطية غربي نهر الفرات وعفرين ومن المحتمل حتى في إدلب. سيتضح هذا الأمر في الأيام القادمة لأن مقاومة العصر لفتت انتباه الجميع. ومن الممكن أن تراجع روسيا أيضاً حساباتها وتحاول إعادة علاقاتها مرة أخرى مع مقاتلي عفرين.

(م م)

ANHA