الاتصال | من نحن

لقاء بوتين وأردوغان لم يتعدَ العلاقات الاقتصادية

عزيز كويلو أوغلو

وصلت العلاقات الروسية التركية إلى حالة حرب إثر إسقاط تركيا طائرة حربية روسية حيث أقدمت روسيا على إغلاق حدودها أمام تركيا كما قطعت علاقاتها التجارية، ورغم المساعي المتواصلة لتركيا للخروج من هذا المأزق وإعادة علاقاتها مع روسيا إلى طبيعتها إلا أن مطالب روسيا كانت كثيرة لم تكن تركيا مستعدة لتلبيتها جميعاً، ومن أولى تلك المطالب الروسية هو أن تغير تركيا من سياساتها تجاه الأزمة السورية.

عقد يوم أمس المؤتمر الـ 23 للطاقة في مدينة استنبول. المؤتمر جاء بعد تحسن العلاقات الروسية التركية خاصة بعد محاولة الانقلاب العسكري في تركيا. ولأول مرة بعد إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تركيا، ومن جملة ما كسبه بوتين خلال المؤتمر هو خفض سعر الغاز القادم من تركيا إلى روسيا. وبعد لقاء بوتين وأردوغان نظم الجانبان مؤتمراً صحفياً كشفوا فيه عن بعض التوافقات من أهمها تعاون الطرفين في مجال الطاقة وكذلك في المجال الاقتصادي. كما تناول الجانبان خلال النقاشات الوضع السوري ودخول تركيا إلى مدينة جرابلس. فيما كشفت سيماء وجوه أردوغان وبوتين إنهما حضرا المؤتمر الصحفي مرغمين.

تركيا وكذلك روسيا بحاجة إلى بعضهما البعض على الصعيد الاقتصادي. فمن المعلوم إن روسيا تبيع الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر أوكرانيا، وفيما يتصاعد الصراع بين روسيا وأوكرانيا فإن العقد المبرم بين الطرفين بشأن نقل الغاز سينتهي بعد عامين، وفيما إذا لم يتصالح الجانبان حتى ذلك الوقت فإن روسيا مضطرة للبحث عن طرق بديلة لبيع غازها إلى أوروبا، مما يحليها في هذه الحال إلى تركيا، وفي نفس الوقت فإن لتركيا علاقات تجارية مع روسيا بحجم تبادلات تصل إلى ملايين الدولارات سنوياً، مما يشكل سبباً في تقارب الجانبين.

إلى جانب هذه العوامل الإيجابية للتقارب بين الطرفين فإن صراعات وخلافات حقيقة لا زالت قائمة دون ظهور أية بوادر حل في المدى القريب. فحتى لو كانت تركيا قد غيرت من سياساتها تجاه سوريا نظرياً فإنها لم تغير سياستها العامة تجاه سوريا ولن تفعل أيضاً. إلا أن المسؤولون الروس يطلبون من تركيا صراحة بتغيير مواقفها السياسية اتجاه قضايا الشرق الأوسط.

تركيا دولة عضو في حلف الناتو وهي دولة إسلامية سنية، وتربطها اتفاقيات وتوازنات معينة مع السعودية وقطر فيما يخص الأزمة السورية وهو ما يعرف بالتحالف السني المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي المقابل فإن إيران وشيعة العراق والحوثيين في اليمن والنظام السوري يشكلون حلفاً مدعوماً من روسيا والصين. وعليه فإن خلافات الجانبين غير قابلة للحل، حيث يخوض الحلفان حرباً ضروساً في كل من سوريا واليمن والعراق.

بعد محاولة الانقلاب العسكري في التركيا في 15 تموز من العام الجاري، ظهرت كل من روسيا وإيران كمنقذين للدولة التركية، والحقيقة كانت كذلك نوعاً ما. تصريحات المسؤولين الروس أظهرت إن روسيا كانت حذرت أردوغان من الانقلاب، هذا الدعم الذي قدمته روسيا لأردوغان كان محاولة لإبعاد تركيا عن أمريكا وعن حلف الناتو. وأردوغان بدوره أدرك فحوى هذا الدعم واستفاد منه سياسياً. إلا أن مساعي روسيا وإيران لم تسفر عن أية نتائج. بل إن التقارب الروسي التركي سيبقى محصوراً في المجال الاقتصادي.

في الوقت الذي تتحسن فيه العلاقات الاقتصادي الروسية التركية فإن روسيا عززت من تواجدها في سوريا وكثفت من غاراتها على حلب، كما صادق البرلمان السوري على قرار يسمح بوجود الجيش الروسي في سوريا.

من أهم أسباب مساعي تركيا للتقارب مع روسيا هو منع الكرد من الحصول على حقوقهم. وبشكل خاص عدم اعتراف ودعم روسيا لمشروع الفدرالية. وجاء احتلال جرابلس ومناطق الشهباء في إطار هذه المساعي. الموافقة الروسية على الاحتلال التركي كانت رسالة موجهة إلى الكرد إلا أن روسيا ليست مستعدة حالياً لمعاداة الكرد بناء على رغبة تركيا.

الخلافات التركية الروسية استراتيجية

أولاً؛ روسيا تطلب من تركيا تغيير سياساتها في سوريا والشرق الأوسط والكف عن دعم المجموعات المرتزقة المعادية للنظام السوري. وكذلك إغلاق معسكرات المرتزقة الموجودة داخل تركيا. إلا أن تركيا ليست مستعدة لتنفيذ أي من ذلك بل تفعل العكس.

ثانياً؛ التواصل مع بشار الأسد ونظامه والكف عن معادة الأسد، إلا أن استراتيجية الدولة التركية والسعودية قائمة على إسقاط نظام بشار الأسد، وتركيا لم تتخلى حتى الآن عن هذه السياسة.

ثالثاً؛ أن يظل الاحتلال التركي لمناطق الشهباء محصوراً ضمن الحدود التي حددتها روسيا. فروسيا ونظراً لمصالحها في حلب لا تريد لتركيا أن تتقدم أكثر في المنطقة. كما أن روسيا تريد لقوات الجيش التركي أن تخرج من العراق لأنها تعتبر وجود تركيا في المنطقة معادياً للسياسات الروسية.

وفي مقابل المطالب الروسية فإن الدولة التركية وأن أظهرت بعض اللين في خطابها تجاه الأسد إلا أنها عملياً لم تغير سياستها المتبعة منذ 6 أعوام متواصلة وليست مستعدة لفعل ذلك.

وعلى العكس فقد تمادت في سياساتها من خلال احتلال جرابلس وإعزاز وجوبان باغ. ومن جانب آخر فقد بدا واضحاً إن تركيا طالبت روسيا بمنع الكرد من الحصول على حقوقهم، وهذا ما ظهر من خلال العديد من التصريحات.

الآمال التي تعقدها روسيا على تركيا بتغيير سياساتها ليست سوى أضغاث أحلام. فتركيا أظهرت وكأنها صارت على خلاف مع أمريكا بعد محاولة الانقلاب العسكري، وارتمت في أحضان روسيا، إلا أن الحقيقة خلاف ذلك، فهي بهذه الخطوة عززت اقتصادها كما أنها برزت مجدداً كلاعب رئيسي في الأزمة السورية.

ما الذي سيحدث؟

ستظل روسيا بحاجة إلى تركيا فيما يتعلق بخط أنابيب الغاز طالما لم تحل روسيا خلافاتها مع أوكرانيا. أما الاتراك فهم مضطرون لتحسين علاقاتهم مع روسيا للحفاظ على علاقتهم الاقتصادية والتجارية. كما أن تركيا أدركت أنها لن تتمكن من لعب أي دور في سياسة الشرق الأوسط فيما لو لم تحسن علاقاتها مع روسيا. مما يجبر الطرفان على التقارب والتواصل. إلا أن الصراع الدائر في اليمن وسوريا سيؤدي إلى تعميق الخلافات بين الطرفين مما سيؤثر على علاقاتهم. أما من الناحية السياسية فيبدو إن لقاء أردوغان وبوتين لم يسفر عن أي تقارب.

(ك)

ANHA