الاتصال | من نحن
ANHA

لبنان؛ أزمات قديمة متجددة

ملف

يحيى الحبيب – ميديا حنان

قامشلو – منذ أن وجد لبنان وجدت مشاكله معه, لبنان بلد الـ4 ملايين نسمة نشأت فيه العشرات من الأحزاب السياسية والميلشيات العسكرية وقال عنه البعض “دولة صغيرة تفعل أخطاء كبيرة تسببت بمشاكل كثيرة”.

ويختلف الكثير من الباحثين في توصيف الوضع اللبناني فهناك من يصفه بالبقعة الديمقراطية وسط صحراء من الاستبداد العربي، بينما يصفه البعض الآخر بأنه ساحة حرب تجمع كيانات طائفية تكره بعضها، ولم تكتف الأزمات السياسية في لبنان بإلقاء ظلالها على المواطن اللبناني، حيث تدخل المشاكل السياسية في أبسط الأمور الحياتية للشعب اللبناني، بل أنها أيضاً كلما اشتدت الأزمة في لبنان ترتد على دول الجوار والمنطقة.

ولبنان بلد لا تتعدى مساحته 10452 كلم2، وقع فريسة لموقعه الجغرافي، وضحية لتقسيماته الطائفية، وطريدة للمصالح السياسية.  وعند النظر إلى الأزمة السياسية في لبنان نراها أزمة قديمة تتجدد بأشكال وتحالفات مختلفة. ولمعرفة ما سيؤول إليه الوضع اللبناني يجب أن نعرف التوزع السكاني والحياة السياسية اللبنانية تاريخياً.

طبيعة لبنان الاجتماعية

لبنان بلد متنوع بشعبه، وتوجد فيه 18 طائفة تعتبر ستٌّ منها أساسية، أي لها حضور سياسي هام، وهي الموارنة، الأرثوذكس، الكاثوليك، السنّة، الشيعة والدروز. وتغيّرت التركيبة الديموغرافية للبنان كثيراً في العقود التي تلت تأسيسه. بعد أن كان عدد المسيحيين والمسلمين متقارباً، صار يمكن الحديث حالياً عن توزّع اللبنانيين مثالثة بين شيعة وسنّة ومسيحيين، ونتيجة لهذه التركيبة الاجتماعية تأسس في لبنان عرف سياسي يراعي طبيعة المجتمع المتعدد الطوائف, بعد استقلاله عن الفرنسيين عام 1943، يقضي بتولي مسيحي ماروني رئاسة الجمهورية ومسلم شيعي رئاسة مجلس النواب ومسلم سني رئاسة الحكومة.

 

طبيعة التركيبة السياسية في لبنان وانقساماتها

وبدأت التركيبة السياسية في لبنان على أساس دستور الجمهورية الأولى الذي راعى وضع الموارنة بشكل خاص والمسيحيين بشكل عام، حيث منح رئيس الجمهورية سلطات واسعة طالب على إثرها المسلمون بالحد من صلاحيته، لكن سرعان ما دارت حرب أهلية شرسة بين اللبنانيين امتدت ما بين أعوام 1975 و1990 سقط خلالها عشرات الآلاف من الضحايا بين قتلى وجرحى.

ودامت الحرب إلى أن أقرّ سياسيو لبنان “وثيقة الوفاق الوطني”، التي سميت فيما بعد اتفاق الطائف في السعودية وذلك في 30 أيلول 1989، وعدّلوا الدستور على أساسها حيث تم سحب الصلاحيات التنفيذية من رئيس الجمهورية ووضعها في مجلس الوزراء الذي تتمثل فيه كل الطوائف وبهذا يكون الاتفاق الجديد صحح الخلل بين الميزان الديموغرافي والسلطة السياسية دون أن ينص على تعديلات في جوهر النظام الطائفي.

ويوجد في لبنان عدد من القوى السياسية منها حزب الله بقيادة حسن نصر الله، والتيار الوطني الحر بقيادة ميشيل عون وهو تيار مسيحي، وحركة أمل الشيعية بقيادة نبيه بري، وتيار المستقبل الذي يترأسه سعد الحريري، وحزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع وهو مسيحي أيضاً، والحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه وليد جنبلاط.

اتفاق الطائف يكرس التقسيم والتدخل السوري يعقد الأزمة

وأوقف اتفاق الطائف الحرب في لبنان لكنه لم ينه الأزمة، بل تكرست التوازنات الجديدة داخل المؤسسات، فبعد أن انتهت الحرب أصدر مجلس النواب اللبناني عفواً عن المشاركين في الحرب الأهلية فأصبح قادة المليشيات زعماء سياسيين.

وأثناء الحرب الأهلية تدخل الجيش السوري في لبنان عام 1976 بحجة طرد الجيش الإسرائيلي وتطبيع الوجود الفلسطيني، فتحالف مع بعض القوى اللبنانية وأقصى الأخرى، فتعمقت الخلافات، حيث نفي ميشيل عون إلى فرنسا وسجن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. وبعد أن انتهت الحرب الأهلية اللبنانية استمر وجود النظام السوري حتى عام 2005 بحجة الدفاع المشترك ضد إسرائيل، واتهم اللبنانيون النظام السوري بالتدخل في الحياة السياسية بالبلاد.

وبعد اغتيال رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري في شباط 2005 والأحداث التي أعقبت الاغتيال، انقسمت القوى السياسية بين تحالفين (قوى 14 آذار بقيادة تيار المستقبل السني ومعه حزب القوات اللبنانية والكتائب وغيرها، وقوى 8 آذار بقيادة حزب الله الشيعي ويتحالف معه التيار الوطني الحر بقيادة عون وحركة أمل ويبقى الحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة وليد جنبلاط في الوسط بين الطرفين) وبعد أن تم توجيه الاتهام للنظام السوري باغتياله رفيق الحريري، خرج من لبنان تحت الضغط الدولي ولكنه احتفظ بأذرعه وتحالفاته في لبنان خاصة مع حزب الله وحركة أمل، وبعدها تشكلت ما تسمى المحكمة الدولية للتحقيق في جريمة اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري والجرائم المرتبطة بها وأصبحت حلقاتها تتالى وأربكت الوضع السياسي والأمني أكثر.

وبقي لبنان يسير على وصفة “الأمن في لبنان سياسي”، ففي كل أزمة سياسية داخلية كانت أو خارجية تنتكس الأوضاع الأمنية في البلاد، حيث دارت جولات عديدة من المواجهات المسلحة في عدة مناطق لبنانية كان أكثرها في طرابلس بين العلويين المؤيدين لحزب الله والنظام السوري، والسنة المؤيدين لتيار المستقبل والسعودية.

الأزمة السورية تعقد الوضع اللبناني أكثر

وبعد بدء الأزمة السورية عام 2011 تعقد الوضع اللبناني أكثر، فمنذ اندلاع  الأحداث اختار لبنان موقف “النأي بالنفس” عنواناً كمحاولة للابتعاد عن التداعيات في سوريا، لكن القوى السياسية اللبنانية تموضعت منذ اللحظات الأولى، حسب مواقعها المعروفة في طيف الموقف من النظام السوري والعلاقات والمصالح المشتركة معه. حينها، اصطفت جماعة 8 آذار (حزب الله- التيار الوطني الحر- حركة أمل وأحزاب علمانية أخرى) بوضوح في خط النظام السوري، فيما ذهبت قوى 14 آذار (تيار المستقبل وأحزاب مسيحية أخرى) إلى تأييد التحركات خصوصاً مع اعتبارهم النظام في دمشق نظاماً مناوئاً لهم من خلال اتهامهم إياه باغتيال رفيق الحريري وشخصيات لبنانية أخرى.

هذا الانقسام اللبناني بين القوى السياسية اللبنانية أُثر في الشارع اللبناني من خلال حوادث أمنية واشتباكات مسلحة في العديد من المناطق اللبنانية وكانت نتيجتها سقوط الكثير من الضحايا، وذكرت هذه المرحلة الكثيرين بمرحلة مناخات ما قبل الحرب الأهلية فاختلف الفرقاء اللبنانيون باتهاماتهم للبعض، ففريق 14 آذار اتهم حزب الله بالانخراط في الحرب السورية ومساندته لقوات النظام وفريق 8 آذار اتهم تيار المستقبل بدعم المعارضة المسلحة بالسلاح عبر الحدود وتسببت هذه الخلافات في شحن التوترات الطائفية والمذهبية.

الحلول في لبنان وارتباطها بالأزمة في المنطقة

كل من يتابع الأحداث في المنطقة يرى أن بوادر حل الأزمة اللبنانية لن تأتي قبل حل عدد من أزمات المنطقة ومنها الحرب في اليمن والأزمة في سوريا وبين إيران والسعودية وخصوصاً أننا نشهد في هذه الفترة أن الطرفين السعودي والإيراني يتوجهان نحو مجابهة إن لم تكن مباشرة، فبين مؤيديهم في المنطقة، حتى أن منطقة الشرق الأوسط ومنها لبنان أصبحت رهينة تنافر إيراني سعودي. وتعتبر السعودية أن إيران تسعى لمحاصرتها في لبنان واليمن وسوريا والعراق.

وفي وقتٍ تصاعدت فيه التهديدات الكلامية بين الطرفين قدم رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته من العاصمة السعودية الرياض، وكرر في بيانه تهديدات المسؤولين السعوديين بقطع الأذرع الإيرانية في المنطقة، وبقيت التكهنات حول مصير لبنان والمنطقة إلى أن عاد سعد الحريري وبرعاية فرنسية إلى لبنان.

الأزمة اللبنانية مرتبطة بمسار المواجهات في اليمن وسوريا

ويرى مراقبون ومن بينهم الكاتبة اللبنانية جويس كرم التي أشارت إلى أن “أزمة لبنان الفعلية ما زالت في بدايتها، وهي لن تنتهي بعودة الحريري، والأجوبة عنها غير موجودة في أروقة التحالفات السياسية المتبدلة والحسابات الخاصة داخل بيروت، بل ترتبط بمسار المواجهات في اليمن وسورية ويمكن القول أن جهود الحريري والمساعي الدولية ساعدت لبنان خلال الأسبوعين الفائتين في وقف تصعيد اقتصادي كان سيطال الودائع الأجنبية والجالية اللبنانية في الخليج وأن الجهود الديبلوماسية كبحت التصعيد، لكنه يبقى أحد الأوراق على الطاولة إذا فشلت الجهود في إيجاد توازن سياسي داخل لبنان يراعي الصورة الإقليمية المتبدلة اليوم”.

وتؤكد الكاتبة أنه “وبغض النظر عن استقالة الحريري والصورة داخل لبنان، هناك اندفاعة إقليمية بدعم أميركي للتصدي لـ «حزب الله» في أكثر من ساحة وبأكثر من أداة  في ضوء هذا التصعيد الإقليمي وغياب الحلول الأكبر، ويمكن القول أن لبنان دخل في مرحلة مراوحة سياسية، لا يتوقع أن ينتج عنها تنازلات حكومية قبل أن تنضج الصورة الإقليمية. في هذه المرحلة، سيسعى الجانب الأوروبي والأميركي للالتزام بالثوابت في دعم الجيش وإبعاد لبنان قدر الإمكان عن النار الإقليمية مع حضور أميركي أكبر في التنسيق لإضعاف حزب الله”.

(ح)

ANHA