الاتصال | من نحن
ANHA

كوباني تنبعث من رمادها

تحليل

بولات جان

مركز الأخبار– في فجر يوم 25 حزيران سنة 2015 استيقظ أهل كوباني العائدين تواً إلى مدينتهم المنكوبة على مجزرة مروعة أودت بحياة المئات من المواطنين العزل من النساء و الأطفال و الشيوخ و جرح مئات آخرين و أرادت أن تفتح في أعماق ذاكرة أهل كوباني ثقباً أسوداً تمتص فرحتهم بكل انتصارٍ سابق و لاحِق، ولكن هيهات. بهذه المناسبة الأليمة نستذكر الشهداء المدنيين ضحايا مجزرة 25 حزيران و ننحني في حضرة أرواحهم الطاهرة البريئة و نعزي أهلنا في روج آفا عموماً و كوباني خصوصاً.

لماذا كوباني؟

كوباني كانت منطقة منسية في زاوية من زوايا البلدان التي تأكلها نيران الحروب و التشدد و الطائفية و التوحش، كانت مدينة نائية لم يسمع عنها الكثيرون لكن القدر كان مع أن تتصدر كوباني الصفحات الأولى لكبريات الصحف العالمية و تصبح الخبر الأول على مدار الساعة في كبرى الوكالات و تتحول إلى أيقونة عالمية لم يكن أحدٌ يتوقعها قبل ذلك.

ما عدا مساهمات كوباني الكبيرة و أهلها  على المستوى الكردستاني و دورها في ثورة روج آفا، فقد أحدثت المقاومة التي أبدتها في وجه جحافل إرهابيي داعش المتوحشين لشهور عدة و بأبسط الإمكانيات و قدم مقاتلاتها و مقاتليها أروع آيات المقاومة و الاستبسال في التصدي لداعش، و بذلك تحولت إلى أول مدينة تمكنت من التصدي لإرهابيي داعش في وقتٍ كانت الجيوش تخر مهزومة و تتفكك في أول هجوم لداعش عليها. في صيف سنة 2014 تمدد إرهابيو داعش مثل النار في الهشيم شرقاً و غرباً و جنوباً في طول العراق و عرض سوريا و سقطت المدن تلو الأخرى. الفيالق و الفرق كانت تذوب كالملح في الماء أمام وحشية و غطرسة الدواعش حتى ظنّ الجميع بأن هذا الغول المتوحش لا يُهزم.

كانت هنالك أيدي خفية متعددة تدير و توجه هذا الغول المسخ و كان الدور قد جاء على كوباني بعد ما فعلوه من قتل و ذبح و تهجير و سبي في شنكال، أرادوا لكوباني أن تكون شنكال ثانية. الجميع ربما كان يعتقد بأن كوباني بأهلها و مقاتليها سوف لن يختلفوا عن الموصل و الرمادي و الرقة و الدير و غيرها من المدن و المناطق التي كانت لقمة سائغة للإرهاب. لكن كوباني أبهرت العالم عندما لم يقبل فرد واحد من أفراد شعب كوباني البقاء ولو لثانية واحدة تحت علم دولة الخرافة، و عندما تحصن المقاتلون في ربع المدينة و استماتوا في الدفاع عنها. حينها كان رؤساء بعض الدول يصرخون فرحاً و حبوراً : “كوباني سقطت و ستسقط” و كانوا آخرون يقولون ” كوباني لا أمل منها و ليست لها أي بعد استراتيجي في حربنا ضد الإرهاب” و آخرون قالوا: ” لا بأس إن سقطت كوباني فإن لدينا مدن كردية كثيرة غيرها و كوباني ليست نهاية التاريخ” و البعض كان قد وجدها فرصة للتشفي من المقاتلين أو الجهة السياسية التي تقف ورائهم، البعض الآخر كان ينظر إليها كفرصة لتصفية الحسابات الأنانية الضيقة و فرض شروطه على المقاتلين و إدارة روج آفا… لكن كوباني قاومت و لم تسقط ،لا بل أسقطت كل هؤلاء بكل رهاناتهم.

مقاومة كوباني و تضحية مقاتلاتها القديسات و مقاتليها النبلاء أبهرت الإعلام العالمي و انطلقت المظاهرات في بلدان العالم و توافد المئات من الشباب و البنات من عديد بلدان العالم طلباً لدعم و مساندة كوباني. و التحالف الدولي الذي كان جالسا في صفوف المشاهدين تدخل بقوة. التف كل الشعب الكردي و الشعوب الحرة حول كوباني حتى تحررت المدينة في 26 يناير2015 و تتالت الانتصارات و تحول الانتصار في كوباني إلى دليل ساطع على أن داعش ليس بهذه القوة و يمكن القضاء عليه.

كوباني تحولت إلى مدرسة للمقاومة و الانتصار و أصبحت أشهر مدن العالم. كوباني دفعت بالقضية الكردية في كردستان عموماً و روج آفا خصوصاً إلى الواجهة العالمية و خلقت لها حيزاً كبيراً من الدعم و التعاطف و المساندة الدولية. كوباني أفشلت السياسات التي كانت تستهدف الشعب الكردي عموماً و شعب روج آفا خصوصاً. كوباني وحدت الكرد و قاربت بين قلوبهم و بنادقهم و دمائهم. كوباني وحدت شعب سوريا و الفصائل الديمقراطية و الحرة و كانت درساً لهم بأن ليس هنالك مستقبل للإرهاب و لا أمل يُرجى من الجماعات الدينية المتطرفة. كوباني أفشلت مخططات دول الجوار التي كانت تدعم داعش بكل شيء و دفعها للقضاء على التجربة الديمقراطية في روج آفا.

انتصار كوباني أزعجت الكثير من الأطراف و الجهات الرجعية التي كانت تنتظر سقوطها بفارغ الصبر و ما كان لهذه الجهات أن تغفر لكوباني.

كوباني كانت السبب الأساسي للانتصار الساحق للحركة الكردية السياسية في شمالي كردستان (تركيا) و نجاحها في انتخابات 7 حزيران 2015، هذا الانتصار الكردي حَرَم حزب أردوغان من الأغلبية النيابية و أعاقته من الوصول إلى حلمه ليكون سلطاناً عثمانياً جديداً. خاصة و أن هذا الانتصار الانتخابي قد سبقه انتصار عسكري و استراتيجي آخر للكرد على داعش و سياسة تركيا على حد سواء، وهو تحرير مدينة تل أبيض (گرى سبي) التي كانت الشريان الحيوي (التجاري و اللوجستي) للرقة مع تركيا في 15 حزيران 2015. و هي أيضاً كانت تعني توحيد مقاطعتي كوباني و الجزيرة و هذا ما كانت تركيا و داعش تستميت لعرقلته و منع حدوث ذلك. كل هذا كان سبباً في النقمة الشديدة للكثير من الجهات على كوباني.

ما الهدف من ارتكاب مجزرة 25 حزيران؟

قلنا بأن الكثير من الجهات كانوا ناقمين و حاقدين بشدة على كوباني. و كان يجب أن تدفع ثمن ذلك، كما أن هنالك العديد من الأسباب نذكر منها:

أولاً: الانتقام من كوباني و جعلها تدفع ثمن كل ما فعلته بداعش و الجهات التي تقف ورائها.

ثانياً: نشر الذعر و الخوف في نفوس أبناء شعب كوباني و إخافة الشعب الذي كان يعود طوابيراً يومياً من كل مكان إلى قراهم و مدينتهم و جعلهم يعزفون عن العودة و عدم إعادة الحياة إلى القرى و المدينة.

ثالثاً: دفع الأهالي الذين عادوا إلى قراهم و مدينتهم من الفرار مجدداً و دفعهم إلى الهجرة و النزوح و يكون مصيرهم كمصير آلان كوباني (الطفل الغريق الذي تحول إلى أيقونة لمأساة المهاجرين).

رابعاً: الانتقام من وحدات حماية الشعب و المرأة و استهداف سمعتهم و إظهارهم على أنهم غير قادرين على حماية المواطنين، و خلق حالة من انعدام الثقة بهذه القوات لدى الشعب الكردي خصوصاً  والسوري عموماً.

خامساً: ضرب العلاقة التي كانت تتطور بين الوحدات و التحالف الدولي و إظهار هذه الوحدات بأنها ليست جديرة بأن تكون حليفة للتحالف الدولي و للغرب و ليست جديرة للاعتماد عليها في الحرب ضد الإرهاب.

سادساً: الانتقام من الشعب الكردي الذي انتصر في انتخابات 7 حزيران و حرمان السلطان العثماني الجديد من اعتلاء العرش، و السلطان يعلم جيداً بأن هذا الانتصار ما كان سيكون لولا مقاومة كوباني و تأثيراتها السياسية و النفسية لدى الشعب الكردي في كل مكان.

سابعاً: إعادة احتلال كوباني، هذا كان واضحاً من التخطيط و كيفية الدخول و الهجمات التي رافقت المجزرة الآتية من الجنوب (صرين) و الغرب (جرابلس و منبج) عبر النهر.

ثامناً: هو الانتقام الأعمى من كل شيء في كوباني، الانتقام من أهلها و أطفالها و شيوخها و نسائها و شبابها. الانتقام من الشعب الذي رفض رفضاً قاطعاً البقاء لثانية واحدة تحت راية داعش، الشعب الذي كان يصفق أثناء قصف طائرات التحالف لبيوتهم عارفين بأن بيوتاً مدمرة أفضل بكثير من بيوت سليمة مدنسة من قِبل الدواعش القذرين، الشعب الذي دفع ألف شهيد و مئات الجرحى دفاعاً عن أرضهم و عرضهم كرامتهم، الشعب الذي ما إن تحررت مدينتهم المنكوبة حتى عادوا ليسكنوا بين جوانح البيوت المدمرة و هم راضيين قانعين.

نتائج المجزرة

المجزرة التي ارتكبتها داعش في كوباني كانت عملية انتقام وحشية دفعتها إلى ذلك عقلية مخابراتية مظلمة و ماكرة. مجزرة 25 حزيران هي مجزرة تطهير عرقي و إبادة جماعية استهدفت الشعب الكردي الأعزل و المدنيين الأبرياء في كوباني و يجب أن يعرفها الجميع بهذا الشكل و يتم توثيقها في المحافل الدولية و محاكم جرائم الحرب على كونها جينوسايد بحق الشعب الكردي انطلاقاً من الحرب ضد قومية بعينها.

هذه المجزرة تعد أكبر مجزرة ارتكبت في الحرب العمياء في سوريا عموماً و من كبرى المجازر التي استهدفت القومية الكردية بعد مجزرة حلبجة. مجزرة كوباني تضاهي مجزرة شنكال المريعة. المجزرة تركت آثاراً سلبية على الكثير من الأصعدة في ضمير أهل كوباني.

على الرغم من الآثار السلبية إلا أن هذه المجزرة لم تتمكن من كسر إرادة الشعب الكردي و لم تتمكن النيل من إصرار الوحدات على إبداء المقاومة و مقارعة الإرهاب في كل مكان و إبعاد الإرهابيين عن حدود كوباني و كل روج آفا. كما إنها لم تتمكن من عرقلة عودة أهالي كوباني إلى قراهم و بيوتهم و مدينتهم و العمل بالإمكانيات الشحيحة على إعادة الحياة إلى بلدهم. المجزرة كانت درساً قاسياً للجميع، و خاصة للحكومة المحلية و الجهات الأمنية و الوحدات و جميع المواطنين لعدم الغفلة ولو للحظة في مواجهة الارهاب و سد الثغرات و اتخاذ التدابير الملائمة للمخاطر المحدقة و إبداء الحساسية و اليقظة القصوى.

في النهاية لا يسعني سوى القول بأن المدن العظيمة وحدها تعيش الآلام العظيمة، فصروح العظمة مبنية على الأحداث و الآلام العظيمة، كما طائر الفينيق الخالد الذي ينبعث من رماده في كل مرة.

(م)

ANHA