الاتصال | من نحن
ANHA

قطر هي ضحية الاصطفافات الجديدة

تحليل

شيار زاخو

إن المنافسة في الانتخابات الأمريكية كانت كبيرة بين هيلاري كلينتون وترامب لأن كل منها يمثل توجه وهو الذي سيحدد مصير مشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير وخاصة من ناحية التنفيذ العملي له. فما قام به أوباما خلال السنوات الثمانية في حكمه هو أنه مهّد بشكل كبير لهذا المشروع وخاصة انطلاق ما يسمى بثورات الربيع العربي في المنطقة. خصوصاً إذا ما استذكرنا فترة مجيئه إلى الحكم أنه استهل زيارته الأولى إلى مصر ومن بعدها تركيا. وفي مصر ألقى كلمته في البرلماني المصري مستهلاً إياها بـ “السلام عليكم” والاشادة بالدين الاسلامي وبعض الآيات القرآنية. وكذلك فعل في تركيا. وظن المسلمون أنه سيكون فاتحة خير عليهم وأنه من أصول مسلمة حتى وصل أنه تم منحه جائزة نوبل للسلام.

ولكن إذا ما قرأنا نتيجة حكم اوباما لرأينا أنه في فترة حكمه تم بيع الاسلحة الامريكية لمنطقة الشرق الاوسط بميزانية لم تراها امريكا في تاريخها كله وكذلك التمهيد العملي لاستخدام المسلمين والاسلام في حروبها التي نعيشها في راهننا. خاصة أن هيلاري اعترفت بشكل واضح أنهم من صنع داعش وموله ودربه مع المجموعات الأخرى لنشر الفوضى في المنطقة. أي أن فترة اوباما كانت فترة التمهيد العملي لمشروع الشرق الاوسط الجديد.

وخلال الانتخابات المثيرة بين هيلاري وترامب، كانت الشركات الرأسمالية التي هي من تعيّن الرئيس الامريكي كانت تقوم بتحضير ترامب للمرحلة القادمة لهذا المشروع لأنه خير من يمثل تنفيذ المشروع بشكله الفظ البعيد عن المرونة والمراوغة الاوبامية. وأن هيلاري لن تضيف الجديد غير أنها ستستمر بالمشروع الاوبامي الذي لن يحمل الجديد في آلية التنفيذ أكثر مما هو موجود. لذلك تم الاعتماد على ترامب ذو الشخصية المثيرة والتي تعود تربيته لحلبة المصارعة. هذه الشخصية لا تعرف المرونة بل تعتمد الاسلوب الفظ والتعامل الفظ مع الآخر وتهدف فقط إلى القضاء على الآخر في عرف وتقاليد حلبة المصارعة. أي كل من يقول “لا” ستكون نهايته وخيمة كما نهاية أي شخص في حلبة المصارعة. التي هي بنفس الوقت المكان المثير والجيد لجني المال والجنس.

المهم بالنسبة لنا هو أنه بمجيء ترامب ستتغير المعادلات والتوازنات نوعاً ما في المنطقة. ففي عهد أوباما الذي اعتمد على محور السعودية، قطر وتركيا لتمرير مشروع الشرق الوسط الجديد وكان له ما يريد في زعزعة الامن والاستقرار في عدد من البلدان كمصر وتونس وليبيا واليمن والعراق وسوريا. وكذلك ظهور داعش الحالة الوظيفية المثلى للحداثة الرأسمالية وقوى رأسمال المالي في المنطقة. استمرت هذه الفترة ستة سنوات وانتهت برحيل أوباما والأوبامية. الفترة المقبلة والتي يمكن أن نسميها بالمرحلة الترامبية التي ستعمل على تشكيل محور جديد الذي سيكون أساسه مصر والاردن والسعودية.

المحور الجديد

تركيا التي كانت اللاعب الأساسي في السابق انتهى دورها في أن تكون النموذج الذي يجب أن يحتذى في المنطقة، أي أن دورها انتهى في المنطقة بشكل نسبي وفعّال عما كانت عليه من قبل وسيكون دورها ثانوي بعض الشيء في سوريا والعراق. أي أن لعبة القوى الرأسمالية انتهت تقريباً في الشمال السوري والعراقي وخاصة بعد الانتهاء من تحرير الرقة والموصل، وهذا لم يبقَ له شيء سوى القليل وهو عامل الزمن لا غير. أي تحصيل حاصل لا أكثر. أي أن الرقة والموصل وعملية تحريرهما ستستمر بعض الشيء من قبل القوى التي تعمل على الأرض إن كانت في العراق والموصل المتمثلة بالجيش العراقي أو الحشد الشعبي أو في الرقة المتمثلة بقوات سوريا الديمقراطية ومن معها.

اللعبة الجديدة هي شرق وجنوبي سوريا

اللعبة في شمالي سوريا في مرحلة الانتهاء. لكن يتم التحضير للعبة المهمة والأساسية التي ستكون عنوان السنوات القادمة وهي اللعب في جنوب سوريا وشرقها، أي من دير الزور وحتى درعا وصولاً للحدود الاسرائيلية. هنا بيت القصيد. من سيكون المحور المنفذ في هذه اللعبة ومن هي القوى الفاعلة على الأرض والكثير من الأسئلة.

سوريا عملياً تم تقسيمها منذ سنتين بين قوى الحداثة الرأسمالية بين بريطانيا وامريكا من جهة وروسيا من جهة أخرى، وكل منهما له مناطق نفوذ سيعمل فيها. الساحل السوري وحلب وحماه وحمص ودمشق وحتى ريف دمشق ستكون ضمن مناطق النفوذ الروسي والتي تسمى سوريا المفيدة، المناطق الكردية وهي تحت النفوذ الامريكي وكل شيء ضمن شرق وشمال نهر الفرات، وكل المناطق الموجودة جنوب نهر الفرات والتي تتضمن دير الزور وصولاً لدرعا والحدود الاسرائيلية هي تحت النفوذ البريطاني.

منذ فترة يتم التحضير للعب في شرق وجنوب سوريا أي في مناطق النفوذ البريطاني. خاصة بعد ذهاب ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي سيكون ملك السعودية ويتم تحضيره منذ سنوات ليكون خلفاً للملك عبد الله، توجه محمد بن سلمان لأمريكا وتم استقباله بشكل كبير من قبل ترامب وكذلك زيارة السيسي لأمريكا وملك الأردن عبد الله أيضا توجه لأمريكا في الوقت الذي كان السيسي متواجد هناك، وهذه الزيارة جاءت مباشرة بعد اجتماع الجامعة العربية والقمة العربية في الأردن على البحر الميت.

لم تأتي زيارة الرؤساء الثلاثة لأمريكا محض صدفة، بل كان مخطط له مسبقاً وهي فقط لتوقيع ما اتفق عليه واخذ البركات من أمريكا والقوة الخفية المتواجدة هناك. إذ أن الرؤساء الثلاثة وأثناء زيارتهم لأمريكا التقوا الجمعية اليهودية العالمية وكان لقاءهم مثمراً وجيداً جداً.

ترامب وحملته الانتخابية

أثنا الحملة الانتخابية كان من بين ما قاله ترامب الكثير من العبارات ولكن هناك البعض منها ما استرعى الانتباه مع أنه لم يرددها كثيراً ولكن كان لها مدلولات للمتابع للشأن السياسي. أول هذه العبارات عن السعودية حيث قال: “أننا ننظر للسعودية كالبقرة الحلوب، سنستفيد منها طالما فيها خير”، وكذلك أننا “لن ندخل سوريا مباشرة وبقوات امريكية بل سيكون هناك قوات عربية هي التي ستنفذ ما سنطلبه منها”.

جملتان عاديتان ولكن لهما الكثير من التداعيات والتي نعيشها في الوقت الراهن ويعمل على تطبيقها ترامب بكل حذافيرها. وهي أن السعودية ستستمر في تمويل الحرب على سوريا والمناطق الأخرى. وأن القوات العربية التي ستدخل سوريا تقريباً جاهزة لما سيطلب منها.

تفكيك الحلف القديم

الحملة التي نشهدها في الوقت الراهن وهي عزل قطر والهجمة الإعلامية والسياسية والدبلوماسية عليها من قبل بعض الدول العربية، جاءت بعد زيارة ترامب للمملكة العربية السعودية مباشرة، وجاءت ردة الفعل من السعودية ومصر والأردن والامارات العربية وبعض الدول الأخرى، وهذه الدول الأربع هي التي ستكون الحلف البديل للحلف القديم والمتمثل في السعودية وقطر وتركيا.

نتذكر جيداً في أنه بعد ضرب القاعدة في افغانستان تحت حجة مكافحة الإرهاب كان الهدف هو تدمير العراق ونفس الأمر حينما بدأ ما يسمى ثورات الربيع العربي من تونس تحت حجة الكرامة والحرية تم تدمير ليبيا وسوريا واليمن وبعض الشيء مصر، الآن السؤال المصروح ما هو الهدف من الهجمة على قطر؟ أعتقد أنه نفس سيناريو تونس سيكون عبارة عن تغيير في إدارة الحكم ولكن الضربة ستكون في مكان آخر. ربما تكون إيران وتحجيم دورها في العراق وسوريا عبر القيام ببعض التفجيرات أو الاغتيالات هنا وهناك فيها، أو تكون تركيا خاصة بعد الصراعات والخلافات التي ظهرت بينها وبين دول الاتحاد الاوروبي وأمريكا وهذا ما تبين بوضوح خلال الأيام السابقة في اتخاذ المانيا قراراً بسحب جنودها العاملين في قاعدة انجرليك وربما ستلحقها أمريكا أيضاً ولكن بعد فترة وليس الآن.

وهذا ما دفع إيران وتركيا لأن تساندا قطر بقوة وترسل لها المعونات وحتى قوات من جيشها بذريعة حماية قطر. لكن الحقيقة هي لحماية نفسها لأن كلاً من إيران وتركيا أدركتا اللعبة وقامتا بعملية استباقية ونقل المعركة إلى الخارج وفي أرض العدو وهي الخليج العربي. وربما أن أكبر خاسر سيكون هو السعودية نفسها لأنها هي منشغلة في مستنقع اليمن والذي أثر على اقتصادها كثيراً وكذلك سياسياً. والمهم الذي يجب إدراكه هي أنه ربما تكون قطر الابن غير الشرعي لقوى الحداثة الرأسمالية ضحية للاصطفافات الجديدة التي ستتشكل في المنطقة. فدائماً تقوم القوى الكبرى بتقديم الضحايا والقرابين من أولادها لتحقيق أهداف أكبر.

الرقة سترسم ملامح المنطقة وستؤثر في الاصطفافات الجديدة

أن دور داعش والمجموعات الإرهابية الأخرى بمختلف مسمياتها انتهى وظيفياً وأن الأطراف الإقليمية دخلت اللعبة بنفسها وهذا ما يسمى بارتداد السحر على الساحر. أي أن ما قامت به تركيا وقطر من دعم للإرهاب والمجموعات الإرهابية في العراق وسوريا وتمويلها لها سينعكس على هذه الدول مباشرة وأنها تعيش مرحلة التشتت السياسي والوظيفي وسيكون له تداعيات كبيرة أيضاً على إقليم جنوبي كردستان خاصة بعد إعلان موعد الاستفتاء بعد ثلاثة أشهر من الآن وهو أيضاً هروب من الازمات الداخلية واشغال الشعب بأمور لن تحصل لأن لا العوامل ولا الظروف الدولية ولا الاقليمية ولا حتى الداخلية مساعدة لإجراء هذا الاستفتاء بغض النظر إن حصل أم لا فإن المهم هو ما بعد ذلك.

القوة الوحيدة المتواجدة الآن على الأرض والمنظمة بشكل كبير وتعمل وفق فلسفة مجتمعية هي قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب والمرأة في كل المنطقة. وكل الآمال معقودة على هذه القوات وما تحمله من مشروع جديد يحمل للمنطقة الحلول للأزمة البنيوية والسياسية والاجتماعية التي تعيشها. لهذا كل الأنظار الآن متجهة نحو الرقة وما بعدها لأنها سترسم ملامح المنطقة وستؤثر على الاصطفافات الجديدة التي ستشهدها المنطقة. المشكلة ليست في تحرير مدينة أو من عدمه بقدر ما هو عملية تنظيمية فكرية فلسفية تحمل في طياتها ضرب العاصمة الرمزية لداعش التي هي بنفس الوقت الوليد الشرعي للفكر القوموي والدينوي الذي تبنته تركيا وقطر والنظم الاستبدادية والدكتاتورية والتي تستميت في الدفاع عنه علَّها تطيل من عمرها بعض الشيء. تحرير الرقة سيكون الضربة القاضية للفكر القوموي الدينوي وانتصاراً للفكر المجتمعي الحر.