الاتصال | من نحن
ANHA

قصة مقاومة…الشيخ مقصود – 1

الجزء الأول: المقاومة في حلب حتى قبل بدء الثورة..

حلب– مرّت أحداث كثيرة على مدينة حلب، فهذه المدينة التي تعد لوحة فسيفسائية حيث سكنتها أجيال عديدة من مختلف الأعراق والأديان أضحت اليوم، مركز لصراعات القوى العالمية. إلا أن أكثر ما يلفت في هذه المدينة هو حي الشيخ مقصود وحيّ الأشرفية الملاصق له، فهذان الحيّان لم يهدأ لهما بال طوال عقود، وشهدا على الكثير من الانتفاضات والمواجهات مع قوات الأمن التابعة للنظام البعثي.

من خلال ملفنا هذا سنستعرض لكم أبرز وأهم المراحل والمنعطفات التي مرّ بهما هذان الحيّان وتأثيرهما على عموم مدينة حلب بشكل خاص، وذلك منذ مطلع القرن الـ 21 ولغاية السنة الحالية، وخصوصاً السنوات الخمس الأخيرة من عمر الثورة السورية.

الموقع والسكان

يتميز حيّ الشيخ مقصود، بكونه يتربع على قمة تلّ يشرف على معظم أحياء مدينة حلب، ويلاصقه حيّ الأشرفية من الناحية الغربية. وتبلغ مساحة المنطقة المغطاة بالأبنية السكنية فيهما أكثر من 4 آلاف متر مربع.

وبحسب دائرة النفوس في مدينة حلب، فإن نحو 800 ألف شخص كان يقطن حييّ الأشرفية والشيخ مقصود سنة 2010، ومعظمهم من الكرد، إضافةً لنسبة قليلة من العرب والتركمان والأرمن.

فيما يشكل سكان الأرياف الغالبية العظمة لقاطني هذين الحييّن، والذين وصلوا إليها نتيجة الهجرات الداخلية، على مدار العشرين عاماً الماضية.

التظاهرة الأولى

لم يهدأ البال لحي الشيخ مقصود طوال العقود الماضية أمام قمع قوات النظام البعثي، وقد شهد الحي أول تظاهرة في القرن الواحد والعشرين، في 15 شباط سنة 2001.

حيث خرج الآلاف من المتظاهرين من منطقة تدعى الشقيف وتوجهوا صوب شارع عشرين في الشيخ مقصود غربي، منددين بالمؤامرة التي طالت قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان.

واندلعت حينها مواجهات عنيفة بين قوى الأمن البعثية المتمثلة بعدد من أجهزة الاستخبارات القمعية كفرع المخابرات الجوية والأمن العسكري وجهازي أمن الدولة والأمن السياسي.

وبحسب شهود من تلك الواقعة، فإن نظام البعثي قد أقدم على اعتقال العشرات في التظاهرة وانهال بالضرب عليهم، وكان ذلك بعد أقل من سنة على استلام بشار الأسد لرئاسة سوريا خلفاً لوالده حافظ الأسد.

انتفاضة 2004

بعد انطلاق شرارة 12 آذار 2004 من قامشلو، انتفض أبناء كل من حييّ الأشرفية والشيخ مقصود، كما باقي المناطق الكردية في سوريا، في وجه نظام البعث، حيث جوبهت هذه الانتفاضة أيضاً بالقمع الشديد.

وفرضت حالة حظر التجوال على الحييّن لأكثر من أسبوع، حيث طال الحظر حتى الأطباء والصيادلة وكافة المراكز الطبية أيضاً، إضافةً لذلك، شنت القوى الأمنية البعثية حملة مداهمات للمنازل اعتقل على إثرها المئات من الكرد، وأفرج عنهم لاحقاً بعد تعريضهم لوابل من الإهانات والضرب المبرح.

رغم ذلك كل ذلك، خرج المئات من أبناء الحييّن، في اعتصام بتاريخ 16 آذار من العام ذاته، قرب منطقة المثلث في حي الأشرفية، وتعرض الاعتصام إلى قمع قوات النظام لحدّ استخدام الرصاص الحي.

وتسبب هجوم الأمن البعثي، عن استشهاد كل من الشابين آري فوز ولو، وجلال إبراهيم والمواطنة فريدة أحمد، وإصابة آخرين.

تحول الاعتصام بعد ذلك، إلى انتفاضة عارمة ومواجهات عنيفة بين المعتصمين والأمن البعثي، ما أدى لإصابة العشرات من رجال الأمن وإحراق العديد من سياراتهم، إضافةً إلى مقتل قائد قوات مكافحة الشغب.

إلا أن الإصرار الشعبي كان أقوى من قمع قوات النظام، فقد خرج الآلاف في تظاهرة عشية نوروز 20 آذار من حييّ الأشرفية والشيخ مقصود، إلى الشوارع تنديداً بهجمات النظام البعثي. ولم تجرأ القوى الأمنية على التعرض للتظاهرة هذه المرة بعد أن تلقت درساً قاسياً في التظاهرة السابقة.

كما أدى إضرام المناضل يكتا هركول والذي كان حينها يمارس النضال الثوري في حي الشيخ مقصود النار بجسده في ساحة سعدالله الجابري وسط مدينة حلب، وذلك في يوم الـ 26 من آذار، إلى إيقاف النظام البعثي لوتيرة القمع، ليتحول المناضل يكتا بذلك إلى أيقونة للمقاومة.

بعد سنة..

خرج الآلاف من المتظاهرين في يوم 12 آذار 2005، لاستذكار شهداء مجزرة الانتفاضة التي حصلت سنة 2004 في عموم المناطق الكردية في سوريا.

وحصلت صدامات عنيفة في حيّ الأشرفية بين المتظاهرين القادمين من شتى المناطق وخصوصاً حي الشيخ مقصود المجاور، وقوى الأمن البعثية.

وأدت هذه الصدامات إلى إصابة العشرات من عناصر الأمن البعثي، فيما شنت سلطات النظام البعثي، حملة اعتقالات على الهوية.

وفي الـ 16 من الشهر ذاته، اعتصم المئات في كل من الأشرفية والشيخ مقصود، لاستذكار شهداء مجزرة حلبجة، دون أن تتعرض لهجمات النظام البعثي هذه المرة.

إلا أن النظام جدد هجومه مرة أخرى عشية عيد النوروز من الشهر نفسه، على أبناء حييّ الشيخ مقصود والأشرفية، الذين كانوا يستعدون لإحياء  عيد النوروز ، وشنّ حملة اعتقالات واسعة.

كما حصلت صدامات ومواجهات عنيفة، تعرضت خلاله العديد من عربات الأمن البعثي إلى الحرق والتدمير على يد الحشود الشعبية الغاضبة، ما أجبر النظام على إطلاق سراح المعتقلين.

مواجهات في سوق الأشرفية

بعد أكثر من عام، وتحديداً في الـ 27 من كانون الأول/ديسمبر سنة 2007، هاجمت قوات الأمن البعثية المتظاهرين الكرد في مفرق سوق الخضرة بحي الأشرفية.

وأثناء التظاهرة وبعدها، نفذت القوات الأمنية حملة اعتقالات واسعة، زجّ على إثرها المئات من أبناء حيي الأشرفية والشيخ مقصود في السجون، والصق بهم تهم معلبة وجاهزة منذ ستينيات القرن الفائت “اقتطاع الأراضي السورية وضمها إلى دولة أجنبية” وأفرج عنهم في أوقات لاحقة.

إلا أنّه ظلّ عدد من خيرة شباب الحييّن قيد الاعتقال حتى الآن، من بينهم جيكر شيخو الذي أعلن عن استشهاده في وقت متأخر من العام الماضي، وكل من صفقان وشكري اللذان لا يزال مصيرهما مجهولاً حتى الآن.

انتفاضة من أجل الرقة

بعد أيام من عيد النوروز سنة 2009 تحولت مسيرة بالشموع في حييّ الأشرفية والشيخ مقصود شرقي إلى حرب مفتوحة بين المنتفضين الكرد وقوى الأمن.

وكانت المسيرة قد أقيمت للتنديد بما أقدمت عليه قوى الأمن على مهاجمة المحتفلين بعيد النوروز في مدينة الرقة، وتسببهم في مقتل عدد من المدنيين.

وخلال تلك الليلة، أضرمت الجماهير الغاضبة النيران بالعشرات من عربات الأمن، فيما قامت بقلب عربات أخرى رأساً على عقب.

أول تظاهرة علنية في 2011

بدأت قصة هذه المظاهرة بعد إقدام حرس الحدود السوري على قتل المناضلين شورش وماسيرو في منطقة حدودية قرب مدينة ديرك، أقصى شمال شرقي سوريا، حيث كان المناضلان شورش وماسيرو يمارسان العمل الثوري في مدينة حلب، وكان معروفين لدى أبناء الشيخ مقصود والأشرفية بشكل خاص.

بعد هذه الواقعة، دعا حزب الاتحاد الديمقراطي عبر فضائية روج آنذاك، أهالي حلب للخروج في تظاهرة في حي الشيخ مقصود.

استجاب الأهالي لهذه الدعوة، وانطلقت التظاهرة في شارع عشرين بحي الشيخ مقصود غربي، إلا أنها جوبهت منذ اللحظات الأولى بقمع قوات الأمن البعثية.

حيث استقدمت قوى الاستخبارات المئات من عناصرها لقمع التظاهرة، مستخدمة أيضاً الغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه.

إلا أنه رغم ذلك، تابع أبناء مدينة حلب التظاهرة، لكنها لم تدم كثيراً حتى بدأت القوى الأمنية باعتقال العشرات من الشبان.

ولم تكتف بذلك، فقد أطلقت تلك القوى حملة مداهمات واسعة لمنازل أهالي حييّ الشيخ مقصود والأشرفية، وأسفرت هذه المداهمات عن اعتقال المئات بشكل تعسفي والافراج عنهم لاحقاً.

غداً: مرحلة الإعداد للثورة

(كروب/ك ش)

ANHA