الاتصال | من نحن
ANHA

قرية جلمة.. إرث أثري وقصة صمود بوجه الاحتلال

رودي إيزيد خالو- غاندي علو

عفرين- قرية جلمة؛ اسم تردد كثيراً خلال الثورة بالقصف المتواصل عليها من قبل المجموعات المرتزقة، لكن سكانها سطروا قصة صمود بوجه الاحتلال، كما إن آثارها تشهد على أصالة قاطنيها وتميزها بفسيفساء مكوناتها.

قرية جلمة هي إحدى قرى منطقة جندريسه في مقاطعة عفرين، ويحدها من الشرق ناحية شيراوا وجبل سمعان، من الغرب باكور (شمال كردستان)، من الجنوب محافظة إدلب، ومن الجهة الشمالية مركز منطقة جندريسة.

تعتبر قرية جلمة من أقدم القرى في إقليم عفرين، يقطنها الكرد والعرب والبعض من العائلات التركمانية، وتتميز هذه القرية بالتعايش السلمي والمشترك بين مكوناتها، ويبلغ عدد سكان القرية 3600 نسمة حسب آخر إحصائية جرت عام 2015 ويوجد في القرية أكثر من 800 منزل بينهم 100 منزل مبني على التلال المتاخمة لجبال ليلون.

فيما احتضنت القرية في الأعوام الأخيرة قرابة 150 عائلة نازحة من مختلف المناطق السورية بعد أن تقطعت السبل بهم في مناطقهم بفعل الحرب الدائرة.

ويمر من شمال القرية 2 كم نهر عفرين وهذا ما يساعدها في أمور الزراعة، وتبلغ مساحتها 1890 هكتاراً، وتعد مساحة الأراضي الزراعية 400 هكتار، منها 40 هكتاراً زيتون و70 هكتار أشجار رمان، والمساحة المتبقية تزرع فيها محاصيل موسمية.

كما تعتبر قرية جلمة الأولى على مستوى المنطقة وشمال سوريا في إنتاج محصول التبغ، حيث تبلغ الكمية المنتجة سنوياً من القرية وبشكل وسطي نحو 400 طن، وتتم زراعتها من قبل جميع مزارعي القرية تقريباً، كما يزرع فيها مجمل المحاصيل الزراعية مثل (الفلفل، القطن، الشوندر السكري، الخضراوات بمختلف أنواعها والقمح)، وكل المحاصيل تزرع ريّاً لأن التربة حمراء وخصبة إلى جانب توفر المياه فيها، حيث يتواجد فيها مئات الآبار.

كما يربي سكانها آلاف الرؤوس من الماشية بمختلف أنواعها (الغنم، والماعز، والبقر) وهي تؤمن لمربيها دخلاً إضافياً.

ويشتق اسم القرية، من كلمتين الأولى (جه أو جي) كلمة كردية وتعني باللغة العربية أي (مكان)، والثانية (لم لم) وبعد مرور الزمن تحولت كلمة (لم لم) إلى (لم) ويأتي معنى كلمة (لم لم) مكان كثرة المياه، واشتهرت هذه القرية بالمكان الذي ينبع منها المياه الكثير، وتحولت كلمة جي لم لم فيما بعد إلى جلمة، وأصل هذه الكلمة كردية، وذلك بحسب ما قاله الباحث وأستاذ التاريخ صادق بركات.

فيما يوجد رواية أخرى حول اسم القرية، حيث يقال بأنه في عهد البيزنطيين عام 490 م، كانت القرية تسمى بـ “مير بي” “MÊR Bî” أي بمعنى كن رجلاً، وهي أيضاً كلمة كردية الأصل.

ويوجد في القرية ثلاث ينابيع تعرف بأسماء ” مرجان، كوله وكوند”mercan،gole،gund”، وسمي نبع باسم مرجان نسبة إلى فتاة اسمها مرجان وهي من عائلة علي غزال في القرية، كانت دائماً تذهب مشياً على الأقدام إلى النبع.

وتقع الأولى في وسط القرية والثانية جانب التل الأثري من جهة الغرب والثالثة من جهة الشمال بجانب التل في بداية القرية وتتمتع بمياه وفيرة، يستفيد منها أهالي القرية في ري زرعهم إلى جانب سقاية المواشي.

ويوجد في القرية مدرسة تدرّس من الصف الأول الابتدائي حتى الصف التاسع الإعدادي، كما يوجد فيها مركز لقوات الأسايش، بالإضافة إلى مستوصف، بلدية، مخبز آلي وصيدلية.

كما تشتهر القرية بكهوفها وينابيعها والتلال المطلة عليها، حيث تنتشر ضمن القرية وحولها المئات من الكهوف التاريخية والأثرية كدليل على قدم الموقع وأهميته التاريخية. توجد مجموعة من الكهوف متجاورة تقع جنوب القرية بنحو خمسة كم وهي قديمة جداً، وتعود إلى الفترة التي تسبق العهد البيزنطي المسيحي، منها كهف “البوياجل” “BoyeCil” حيث تدل هذه الكلمة على إقامة بعض الناس في ذلك المكان باللغة الكردية، فيما يوجد على غالب جدران الكهوف نقش الثور، وتقول روايات إنها تعود إلى الهوريين الذين هم أجداد الكرد، كونهم كانوا يعبدون الثيران في العصور القديمة.

كما يوجد كهف ديبسس ويقع جنوبي القرية 2 كم، ويصل طول هذه المغارة إلى أكثر من 40 م، وسقفها عالي جداً إلى درجة إنها لا ترى بالعين المجردة، فقد كان الرعاة قديماً يقسّمونها إلى عدة أقسام ويبيتون فيها مع قطعانهم.

وفي وسط القرية توجد عدة مغارات قديمة تتميز بوجود أنفاق طويلة من تحت البيوت في داخل القرية.

جلمة؛ قصة صمود في وجه قذائف الاحتلال

وعلى مر سنوات المنصرمة من ثورة روج آفا، ذكر اسم قرية جلمة كثيراً في وسائل الإعلام، نظراً لما شهدته القرية من قصف بالقذائف ولا زالت مستمرة حتى الأيام الراهنة، كون المجموعات المرتزقة المدعومة من تركيا تتمركز على تخوم القرية ولا تبعد سوى مسافة كيلو مترات قليلة.

وأسفر القصف المتتالي على القرية عن إلحاق أضرار مادية متفاوتة في الأراضي الزراعية ومنازل المدنيين.

لكن رغم ذلك لم ينزح سكانها من أرضهم وظلوا صامدين فيها حتى الآن، كما أن العشرات من أبنائها منخرطين ضمن صفوف وحدات حماية الشعب والمرأة وشاركوا في الكثير من الاشتباكات التي اندلعت في المنطقة، حتى ضحى عدد منهم بحياتهم في سبيل الدفاع عن أرضهم وكرامتهم.

(د)

ANHA