الاتصال | من نحن
ANHA

فشل جميع جولات مسلسل جنيف والأسباب واحدة

ملف

أكرم بركات

قامشلو – يشهد مسلسل جنيف الذي وصل إلى حلقته الـ 8 إخفاقاً بعد إخفاق، ولم يتمكن من الوصول إلى نتائج ملموسة حتى الآن رغم أن كل جولة تنتهي بجملة من القرارات لا تطبق على أرض الواقع، والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا أخفق جنيف حتى الآن وما مصير الحلقة القادمة من جنيف التي تعقد في الـ 28 من تشرين الثاني الجاري.

وعقدت حتى الآن 7 جولات (حلقات) من اجتماعات جنيف بين الأطراف المتصارعة على السلطة في سوريا برعاية الأمم المتحدة، ولكن جميع هذه الجولات فشلت ولم تحقق شيئاً يذكر لتحقيق ما طلبه السوريون عند بدء ثورتهم منتصف آذار عام 2011، ولكي يتم التعرف على هذه الاخفاقات لا بد من مراجعة لمجريات الأحداث في سوريا وإلى جولات جنيف.

الجولة الأولى فشلت وتحولت سوريا بعدها إلى مقصد للإرهابيين

عٌقدت الجولة الأولى في 30 حزيران/ يونيو 2012، بناءً على دعوة مبعوث الأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان وجامعة الدول العربية، وسمي بـ“مجموعة العمل من أجل سوريا”.

وشارك فيه ممثلون عن الأمم المتحدة، الأمين العام لجامعة الدول العربية ووزراء خارجية روسيا، تركيا، الصين، فرنسا، بريطانيا، إيرلندا الشمالية، أمريكا، وممثلون عن الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، بالإضافة لدول عربية مثل قطر والعراق والكويت.

السناريو الذي خرج به المجتمعون تبنى ست نقاط أساسية لحل الأزمة السورية، عرفت بخطة كوفي أنان آنذاك، كانت تتضمن الالتزام بالهدنة، عمل سياسي شامل يقوده السوريون، وقف أعمال العنف المسلح، بالإضافة إلى بنود إنسانية تتعلق بالحريات والعمل المدني المؤسساتي والإفراج عن المعتقلين.

وفشلت هذه الجولة لعدة أسباب، أهمها عدم دعوة ممثلي الشعب السوري، اختلاف أمريكا وروسيا حول مصير الأسد. حيث فسرت أمريكا الاجتماع بأنه يمهد إلى ما بعد الأسد، أما روسيا فقالت إن الاجتماع لم يتطرق إلى مصير الأسد. كما أن المعارضة الإخوانية آنذاك والتي أنشئت في حضن تركيا والمتمثلة بالمجلس الوطني السوري كانت ترى بأن الحل في سوريا هو عسكري.

نتائج هذه الجولة على الشعب السوري

تدفقت الأموال على الإخوان المسلمين وتشكلت مجموعات مسلحة في مختلف المناطق السورية، وتمركزت هذه المجموعات بين الشعب وجعلته هدفاً لطائرات ومدافع النظام، وبدأ مسلسل القتل اليومي بحق الشعب السوري.

واستغل تنظيم القاعدة هذا الوضع وأرسل عناصره إلى سوريا بحجة حماية الشعب السوري، فنشطت جبهة النصرة فرع القاعدة في بلاد الشام، وتشكلت داعش وبدأت تتوسع في سوريا حتى تمكنت من السيطرة على أكثر من 40% من جغرافية سوريا، وتحولت سوريا إلى ساحة صراع بين 4 مجموعات مسلحة هي “المجموعات الإخوانية، جبهة النصرة، داعش وقوات النظام”.

الجولة الثانية تفشل رغم تغيير المبعوث الأممي

في هذه الجولة تم استبدال المبعوث الأممي كوفي عنان وتم تعيين الأخضر الابراهيمي بدلاً عنه لربما يتم المساهمة بإنجاح هذه الجولة التي عقدت في 22 كانون الثاني عام 2014، بمشاركة وفد النظام، ومعارضة تركيا والسعودية وقطر تحت مسمى الائتلاف الوطني السوري بقيادة أحمد الجربا.

وتم تغييب الممثلين الحقيقيين للشعب السوري وعلى رأسهم الكرد الذين أعلنوا الإدارة الذاتية في الشمال السوري قبل الاجتماع بيوم واحد، تلبيةً لرغبات تركيا التي كانت اللاعب الأول والأساسي في تفاقم الأزمة السورية عبر ضخ الأموال والرعاية وفتح حدودها للمجموعات المرتزقة والمسلحة.

وفشلت هذه الجولة كسابقتها، لأن أياً من الأطراف المشاركة لم يكن لديه مشروع للحل، وقدم بعده المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي الاعتذار للشعب السوري لفشله.

نتائج الجولة الثانية

دمرت معظم البنى التحية لمدينة حلب التي شهدت أعنف الاشتباكات، وحقق النظام تقدماً ملحوظاً في مدينة حمص على حساب المعارضة المسلحة التي كانت تنتهج الفكر المعتدل.

والنتيجة الأبرز كانت توسع مرتزقة داعش في الأراضي السورية وإعلانها مدينة الرقة السورية كـ “عاصمة لخلافتها” نتيجة الدعم التركي والسعودي والقطري المستمر لها.

كما انهارت قوات النظام السوري بشكل ملحوظ وفقدت عدّة مناطق استراتيجية كمدينة الرقة، معظم مدينة حلب، أجزاء من الغوطتين الشرقية والغربية ومدن كإدلب وجرابلس ودير الزور وتدمر.

تغيير المبعوث الأممي مجدداً والفشل نصيب الجولة الثالثة أيضاً

وفي هذه الجولة تم استبدال الأخضر الابراهيمي بـ ديمستورا، وحاول المبعوث الأممي الجديد السعي لإنجاح جولات هذا المسلسل. ولكن سبق هذه الجولة تدخل القوات الروسية بشكل مباشر في الأزمة السورية بتاريخ 6 تشرين الثاني 2015، ما أحدث فرقاً في موازين القوى وبات موقف النظام السوري أقوى من قبل، لذا سارعت تركيا والسعودية وقطر بتشكيل وفد بعد الاجتماع الذي عُقد في مدينة الرياض السعودية في 10 كانون الأول 2015 برعاية تركية وسعودية وقطرية، وأطلق عليه اسم “الهيئة العليا للتفاوض” بقيادة أسعد الزعبي، وتعيين القيادي في مرتزقة جيش الفتح محمد علوش ككبير المفاوضين.

وعقدت هذه الجولة بين 29 كانون الثاني و3 شباط عام 2016، وتمت دعوة النظام وشارك بوفد تزعمه وليد المعلم، كما تم دعوة ما يسمى بـ “وفد الهيئة العليا للتفاوض”.

وللمرة الثالثة تم تهميش دور المعارضة الحقيقية على أرض الواقع وممثلي شعوب الشمال السوري التي باتت صاحبة تجربة في الإدارة الذاتية وحررت مساحات شاسعة من الأرض السورية من مرتزقة داعش، وخصوصاً بعد المقاومة التي أبدتها في كوباني، ففشلت هذه الجولة أيضاً.

نتائج هذه الجولة

كثف النظام وبدعم روسي وإيراني هجماته على حلب التي كانت تُعد معقلاً للمجموعات المسلحة المدعومة من تركيا والسعودية وقطر، وتقدمت قوات النظام في الجزء الشمال الغربي من المدينة القديمة، وتم عزل خطوط إمداد المجموعات المسلحة في حلب، واستمر القصف السوري والروسي على المناطق الجنوبية في القنيطرة ودرعا ودوما، كما أن حمص لم تكن بمعزل عن القصف أيضاً.

وضيق النظام السوري الخناق على المجموعات المسلحة المدعومة من تركيا والسعودية في مدينة حلب، لدعم أجندتها في سوريا، وخاصة في الشمال أبرمت تركيا مع روسيا اتفاقاً أخرجت بموجبه كافة الجماعات التي تدعمها من مدينة حلب ونقلتهم إلى مدينة إدلب، وبذلك تمكن النظام من السيطرة على مدينة حلب في 22 كانون الأول 2016.

النتيجة البارزة في هذه الجولة كان تخلي الدول الراعية للمجموعات المسلحة عن مقولة “ضرورة تنحي الأسد”، وتحولت قوات النظام من قوة منهارة إلى قوة مسيطرة على مساحة كبيرة من الجغرافية التي كانت بيد المجموعات المدعومة من تركيا والسعودية.

الجولة الرابعة ونتائج مخيبة للآمال أيضاً

عقدت الجولة الـ 4 من جنيف وسط تغيرات كبيرة في الخارطة العسكرية لصالح النظام السوري، حيث سيطر النظام على مدينة حلب الغربية، مدينة داريا الاستراتيجية. إضافة لفرض شروط على ما تسمى المعارضة، أما سياسياً فقد تحالفت تركيا مع روسيا وتراجع حلف ما يسمى دعم أصدقاء سوريا الذي ضم واشنطن واسطنبول وعواصم أخرى غربية وعربية.

وعقدت هذه الجولة في الفترة ما بين 23 شباط – 3 آذار 2017، بمشاركة وفد ما يسمى المعارضة السورية الذي كان ضعيفاً سياسياً ومنهمكاً عسكرياً ووفد النظام الذي بات أقوى عسكرياً وحتى سياسياً. وتم تهميش ممثلي الشعب السوري الحقيقيين في هذه الجولة أيضاً، لذا فشلت هذه الجولة أيضاً ولم تحقق نتائج تذكر.

وعلى الرغم من الاتفاق على 4 سلال متعلقة بـ “إنشاء حكم غير طائفي، جدول زمني لوضع مسودة دستور جديد، إجراء انتخابات نزيهة، ووضع استراتيجية مكافحة الإرهاب وبناء إجراءات للثقة المتوسطة الأمد”. إلا أن أياً من هذه المواضيع لم يتم تطبيقها رغم مرور المدة التي تم تحديدها بـ 6 أشهر.

نتائج هذه الجولة

بسط النظام السوري سيطرته بشكل شبه كامل على مدينة حلب، عدا الأحياء التي تحميها وحدات حماية الشعب، تنظيف الريف الغربي من حلب من المجموعات المرتبطة بتركيا. فيما شهد محيط دمشق اشتباكات عنيفة بين قوات النظام والمعارضة المسلحة.

لا جديد في الجولة الخامسة

وبدأت الجولة الـ 5، بلقاءات تمهيدية في 23 آذار، واجتماعات رسمية في 24 آذار بحضور نفس الأطراف التي شاركت في الجولات السابقة وتغييب الأطراف الفعلية. ونوقشت خلال 8 أيام المواضيع الأربعة الرئيسية لجدول الأعمال، وتشمل الحكم والدستور ومكافحة الإرهاب والانتخابات، كما قدم كل طرف للمبعوث الأممي رؤيته بشأن السلال الأربع التي تمخضت عنها الجولة الرابعة.

نتائج الجولة

موافقة النظام وما يسمى المعارضة على استكمال مسلسل جنيف في جولته الـ 6. دون إيجاد أي حلول للأزمة السورية التي يدفع الشعب السوري فقط ضريبتها. كما تم تمديد مهمة المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا.

الجولة السادسة والفشل في الاتفاق

وعقدت الجولة السادسة من جنيف في 16 أيار 2017 بمشاركة نفس الوجوه، ولكن هذه الجولة اختلفت عن سابقاتها بإجراء المبعوث الأممي لقاءات غير مباشرة بين ممثلي النظام وما يسمى المعارضة.

ولم يعول الشعب السوري على أن تخرج هذه الجولة بنتائج منذ بدايتها، واعتبروها من أكثر الجولات التي تبدأ بسقف توقعات منخفض.

ورجح محللون أن دي ميستورا سعى لعقد هذه الجولة بهدف المحافظة مبدئياً على مسار جنيف، ولم يخف ذلك عندما قال قبل العرض إن” “الهدف الآن هو تأمين استمرارية المفاوضات”.

نتائج الجولة

كان النظام مستمراً بتوسيع نطاق سيطرته على الأراضي السورية في مختلف المناطق، مستفيداً من ما يسمى بـ “مناطق خفض التوتر” التي اتفقت عليها كل من تركيا وإيران وروسيا.

الجولة السابعة: نفس الأوجه ولا جدول أعمال والفشل هو المصير

الجولة السابعة من جنيف عقدت في الـ 11 من تموز 2017 بمشاركة نفس الأطراف (النظام، المعارضة المحسوبة على الخارج) وتم في هذه الجولة أيضاً تغييب ممثلي الشعب السوري الحقيقيين، ولم يكن في يد المبعوث الأممي جدول أعمال ليعرضه على الأطراف السورية.

ودارت الحوارات 4 أيام في دائرة مفرغة، فمع وفد الحكومة السورية ناقش الفريق الأممي ملف مكافحة الإرهاب ذو الأولوية بالنسبة لهذا الوفد، ومع وفد ما يسمى الهيئة العليا للمفاوضات تمت مناقشة ملف الانتقال السياسي، كما تم مناقشة خليط من السلال الأربعة مع منصتي موسكو والقاهرة.

الأوساط الأممية أصيبت بخيبة أمل من هذه الجولة، حتى المشاركين من الوفود المختلفة أوضحوا بأن هذه الجولة كانت مضيعة للوقت.

نتائج هذه الجولة

في نهاية هذه الجولة تم اتهام ديميستورا بأنه أخطأ في التحضير لهذه الجولة.

ومنذ نهاية هذه الجولة، توسعت سيطرة النظام كثيراً فيما بدأت المجموعات المسلحة تخسر الأراضي إما عن طريق “المصالحات الوطنية” التي تتبعها روسيا مع أطراف المعارضة بعد حصار الشعب وتجويعهم، أو عن طريق بيع تركيا لمرتزقتها إلى النظام عبر اتفاقات مع روسيا وإيران وذلك تحت مسمى (مناطق خفض التصعيد)، وتقدم النظام على حساب داعش وسيطر على غالبية الضفة الغربية للفرات.

ما هو مصير الجولة الثامنة؟

وبالنظر إلى المشهد العام لجولات جنيف الـ 7 التي عقدت حتى الآن والمقارنة بينها وبين الجولة الـ 8 التي سيتم عقدها في 28 تشرين الثاني الجاري، فإن المتوقع هو أن يكون مصير هذه الجولة كسابقاتها كون أسباب إخفاق جنيف تكمن باستبعاد ممثلي الشعب السوري الحقيقيين وعلى رأسهم ممثلي روج آفا وشمال سوريا، وعدم وجود مشروع حقيقي لحل الأزمة من قبل الأطراف التي تجتمع في جنيف، وكذلك نتيجة تحرك من يدعون أنهم معارضة كالدمى بين أيدي تركيا والسعودية وقطر، وكذلك تعنت النظام المدعوم روسياً وإيرانياً.

(ح)

ANHA