الاتصال | من نحن
ANHA

عفرين (عروس روج آفا) .. عبق الجغرافيا وأصالة التاريخ

Video

تيراست جودي – جعفر جعفو

عفرين – عفرين، كرد داغ أو كما تعرف بين سكانها وقاطنيها ﺑ (Çiyayê Kurmênc) هي بلد الزيتون كما يعرّفها سكان المنطقة والدول المجاورة، وعروس روج آفا، تتموضع ضمن مساحةٍ جغرافيةٍ تمتاز بتنوّع تضاريسها وطبيعتها الخلابة، وكانت على مر العصور موئلاً لبني البشر ومجال نزاعٍ وتنافس احتدم بين امبراطوريات وحضارات مختلفة، وأصبحت مؤخرّاً مركزاً تجارياً واقتصاديّاً مهماً في المنطقة بعدما كانت مجرّد منطقة صغيرة يغلب عليها الطابع القروي ردحاً من الزمن.

عفرين ..  الموقع والجغرافيا

تقع عفرين في أقصى الشمال الغربي من سوريا (الزاوية الشمالية الغربية من قوس الهلال الخصيب)، 63 كم شمال غربي مدينة حلب، على الحدود مع تركيا التي تحدها من الشمال والغرب حيث سهل العمق (Deşta Hemqê)، ومن الشرق تقع إعزاز، كما يحدّها من الجنوب منطقة جبل سمعان، ويبلغ عرضها من الشرق إلى الغرب 55 كم، وطولها من الشمال إلى الجنوب 75 كم.

تتميز عفرين بتنوّعها الجغرافي ما بين الطبيعتين السهليّة والجبليّة، إلا أنّ الجبال والمرتفعات تشكل معظم مساحتها. تضاريسها الجبلية قليلة الارتفاع نسبياً، ويتراوح معدل الارتفاع فيها بين (700 – 1269 م)، لذا فهي صالحة للسكن والإقامة في مختلف فصول السنة، وتناسب الرعي، كما تتيح سفوحها قليلة الانحدار المجال للزراعات المنزلية الصغيرة والأشجار المثمرة.

وتعتبر مرتفعاتها من النهايات الجنوبية الغربية لجبال طوروس. حيث تبدأ تلك المرتفعات من المنابع العليا لنهري عفرين والأسود ، أي إلى الغرب من مدينة ديلوك ” عينتاب حالياً “. تلك المرتفعات امتدادٌ طبيعي للجبل الأسود وكاور داغ (Çiyayê Gêwir). وتأخذ تلك المرتفعات اتجاهاً شمالياً جنوبياً بانحراف قليل نحو الغرب، وطولٍ يبلغ حوالي 100 كم وعرض يتراوح ما بين (25 ـ 45 كم) ، إلى أن تنتهي إلى الغرب من منطقة جنديرس. أما سهل جومة وجبل ليلون فيشكلان امتداداً لتلك المرتفعات، إذ يمتدان على أطراف نهر عفرين.

أعلى قمّة فيها الجبل الكبير، كريه مازن   (Girê Mezin)الذي يعد جزءاً من سلسلة جبال طوروس في سوريا، ويمر بها نهر عفرين الذي يمتد في سوريا مما يقارب 85 كم ويرفده نهر صابون (Sabûn Sû)، ويعتبر هذا النهر وروافده من أهم المصادر المائية لهذه المنطقة الزراعية. ويجري النهر الأسود على حدودها الغربية، كما توجد مئات الينابيع وعشرات الجداول في سهولها ووديانها الخصبة، وأشهرها سهل جومه (Deşta Cûmê)، الذي يمتد لعشرات الكيلومترات على ضفتي نهر عفرين، إضافة إلى المناطق المنخفضة بين المرتفعات الجبلية، وهي صالحة لمختلف أنواع الزراعات الموسمية والأشجار المثمرة.

تتألف عفرين إضافة إلى ناحية المركز من سبع نواحي أخرى هي (جنديرس، شيراوا، شرا، بلبل، راجو، شيه، وموباتو)، إلى جانب 366 قرية، ويبلغ مجموع سكانها (523,258) نسمة حتى تاريخ  31/12/2010 وغالبيتهم من الكرد.

جياي كرمنج (Çiyayê Kurmênc).. مسمّيات مختلفة لجغرافيا واحدة

عُرفت مقاطعة عفرين بعدّة أسماء ماتزال متداولة حتى يومنا هذا فيقال عنها  ”جبل الكرد(كرد داغ)، جومة، عفرين، آفرين” وذُكرت تسمية عفرين في عدّة مراجع وكتبٍ تاريخية.

ويختلف أهالي مقاطعة عفرين والمثقفون فيها حول أصل كلمة عفرين وماهيتها، فهي الكلمة التي تعرف بها المقاطعة منذ زمن، إلا أن هناك التباساً واختلافاً حولها، مع وجود غالبية تؤيد أنّ عفرين (Avrîn أي مجرى النهر) هو اسم نهر عفرين الشريان الأساسي للحياة ضمن المقاطعة.

منطقة نموذجيّة للزراعات المتوسطية

لقرب عفرين من البحر المتوسّط (أقصى الزاوية الشمالية، شرقي البحر المتوسّط) يعتبر مناخها متوسطياً، وتتميّز بدرجات حرارة معتدلة صيفاً وشتاءاً، ومعدلات هطول أمطار تتراوح بين (400-600 ملم) سنويّاً. لهذا تعتبر منطقة خصبة ونموذجية للزراعات المتوسطية، فالمناخ المتوسطي ووجود الوديان والسهول والجبال وخصوبة التربة ووفرة المياه في منطقة عفرين جعلها مناسبة لكل الزراعات، حيث تزرع فيها الحبوب: القمح، العدس، الشعير والحمص والخضار بأنواعها والقطن والشوندر السكري والبطاطا والحمضيات والتفاح والعنب والرمان والفواكه الأخرى، كما يزرع نبات التبغ والذرة الصفراء والبيضاء، وعباد الشمس، والسمسم وغيرها في قرى سهل جومه. وفي النصف الأول من القرن العشرين كان يزرع الأرز أيضا في القسم الشمالي من سهل العمق. أما الزراعة الرئيسية التي تشتهر بها منطقة عفرين والتي تعتبر رمزاً لها فهي الزيتون الذي يزرع في كل أنحاء وقرى المنطقة دون استثناء، ويفوق عدد أشجارها الثلاثة عشر مليون شجرة.

وتتميز أيضاً بوجود غطاء حراجي طبيعي، وغابات صناعية، والأشجار الحراجية في معظمها صنوبرية إلى جانب السرو وهذا الغطاء الحراجي والغابات يستفاد منه في استخراج الأخشاب وإنتاج البذور من أشجار الصنوبر المثمرة.

أما تربية الحيوان ولا سيما الماشية، فقد تراجعت كثيراً، وذلك لفقدان المراعي واستقرار السكان في قراهم، فلا وجود لقطعان الماشية، ولكن توجد بعض الأسر التي تربي عدداً محدوداً من الماعز أو الغنم.

اقتصاد المقاطعة .. مقومات الزراعة والصناعة

اعتمدت عفرين على مقومات الزراعة والموارد الطبيعية كموردٍ أساسي للاقتصاد فهي مكتفية ذاتياً على الصعيد الزراعي الذي تعززه مياه نهر عفرين ومصادر المياه الأخرى كالينابيع والمياه الجوفية. حيث يشكل نهر عفرين وسد ميدانكي (سدّ 17 نيسان سابقاً) عصب الزراعة المروية في المقاطعة.

ويبلغ إجمالي مساحة منطقة عفرين حوالي 203000 هكتاراً، موزعة كالتالي: أراض قابلة للزراعة ومستثمرة 127000هكتار، وأراض غير قابلة للزراعة مساحتها75980هكتار.

وتعرف عفرين بزراعة الزيتون، وهي زراعة متأصلة في أهالي المقاطعة توارثوها جيلاً بعد جيل. وتشتهر بها منذ عهود الإغريق. وتشكل المورد الأساسي لمعاش وحياة أبناء المنطقة، رغم الكثير من المصاعب وأهمها حاجة المنطقة إلى معامل تكرير وفلترة وتعبئة لزيت الزيتون تُراعى فيها المواصفات العالميّة وتجعله زيتاً مؤهلاً للتصدير. علماً أنّ زيت عفرين يُعتبر من أجود أنواع الزيوت في العالم لنكهته المميزة ولما يحتويه من أحماض نافعة وصحية تجعله ثروة هامة وذهباً أخضراً.

كما تمتاز عفرين بعددٍ من الصناعات أهمها صناعة السجاد اليدوي التقليدية، والصناعات المرتبطة الزيتون مثل استخراج زيت الزيتون وصناعة الصابون والبيرين ، وتعد عفرين مركزاً هامّاً في هذا المجال في سوريا.  كما وتنتشر المنشآت والمعامل والمصالح والمحلات التجارية الهامة، في عفرين والمناطق التابعة لها، إضافة للصناعات المختلفة كالمصنوعات التراثية والصناعات الحديثة.

وفي عفرين، سوقٌ شعبي، يُعرف محلياً بالبازار، وهو ملتقى تجاري يقام في مركز المقاطعة ويتوافد اليه أهالي النواحي والقرى لتأمين كافة مستلزماتهم، ويعتبر مصدر دخل لمئات العائلات العفرينيّة. كما أن هناك بازارات أسبوعيّة تقام أيضاً في كل نواحي المقاطعة.

و شهدت عفرين مؤخراً، نتيجة الحرب السورية الدائرة منذ حوالي سبع سنوات، ونزوح العديد من المنتجين والصناعيين إليها لتوافر الأمن النسبي مقارنة بالمناطق السورية الأخرى، نمواً وتطوراً صناعياً كبيراً وزيادة في عدد المنشآت الصناعية المتوسطة والصغيرة، من ورش الخياطة والمكاحت ومعامل الألبسة، والصناعات البلاستيكية ومعامل البطاريات وتعبئة مياه الشرب، إلى جانب صناعة الكونسروة وغيرها من الصناعات الغذائية، كما تزايدت أعداد المداجن، والمسامك إضافة إلى افتتاح مبقرة ومعامل لصناعة الألبان ومشتقاتها.

الطبيعة المجتمعية لأهالي المقاطعة وتنوّع معتقدات قاطنيها

في القرن التاسع عشر توطدت السلطة المركزية في الدولة العثمانية في سوريا وترسخت على حساب الحكم الذاتي المحلي، مما أدى إلى زوال الزعامات التقليدية المحلية وظهور طبقة جديدة تشكلت من ملاّكي الأرض الكبار (الاقطاعيين)، وهكذا اختفت العشائر والعلاقات العشائرية وتحولت البنية العشائرية لبنيةٍ إقطاعية كما في باقي المناطق، وتطوّرت العلاقة والبنية الاجتماعية. واستمر الوضع على هذا النحو حتى بداية ستينات القرن العشرين، حيث بدأ بعدها الزعماء الإقطاعيون يفقدون سلطتهم ونفوذهم تدريجياً بعد تفكك وتفتت الإقطاعات وانتهى عصر الإقطاع في عفرين وكافة مناطق سوريا.

وحالياً يعيش في مقاطعة عفرين غالبية كردية مع وجودٍ لأقلية عربية يعود تاريخ وجودها إلى مشروع الحزام العربي في مطلع ستينيات القرن الماضي، وهم متعايشون الآن مع أهالي المقاطعة على مبدأ أخوة الشعوب.

كما عاش الأرمن في عفرين، وهم من الأرمن الذين هربوا من المجازر العثمانية أوائل القرن الماضي، وكانت لهم بصمتهم التاريخية في المقاطعة، وتعيش الآن أسرة أرمنية وحيدة في مركز المقاطعة.

ويختلف سكان المقاطعة في اعتقاداتهم الدينية، وبحسب المراجع التاريخية فإن غالبية سكان المقاطعة كانوا يؤمنون بالديانة الإيزيدية، ومع انتشار الإسلام تحوّل قسمٌ كبيرٌ منهم إلى الديانة الإسلامية، إلا أنّهم حافظوا على قدسيّة الرموز الدينية الإيزيدية، ويتجلى ذلك في زيارة قسم كبير من مسلمي عفرين للمزارات الإيزيدية المنتشرة في المقاطعة. ويحتفل أهالي عفرين بالأعياد والمناسبات الدينية كلٌّ بحسب معتقده. إضافة إلى ما سبق، فإن أكراد كرد داغ (Çiyayê Kurmênc) لا يزالون يُقسِمون بمكونات الطبيعة، كالماء والنار والشمس والقمر، ويكوون أطفالهم بجمرات النار لحمايتهم من الأمراض، ويضيئون الأماكن المقدّسة بالمصابيح والشموع (النار) كطقسٍ أساسي يومي أو أسبوعي.

ويسود في مقاطعة عفرين شكل الحياة القروية بشكل كبير، وذلك كون المنطقة برمتها تقوم على 366 قرية، وتتنوّع مصادرها الطبيعية، لذلك اعتاد الأهالي في عفرين بالاعتماد على الذات لتدبير مستلزماتهم اليومية.

عفرين عبر التاريخ

تتميز منطقة عفرين بمياهها الوفيرة وأراضيها الخصبة، مما جعلها وعلى مر العصور موئلاً لبني البشر ومجال نزاعٍ وتنافس احتدم بين امبراطوريات وحضارات مختلفة.

وتعرف عفرين بوجود عددٍ من الأماكن الأثرية فيها، والتي تعود لفترات تاريخية موغلة في القدم فهناك يقع كهف دودري (Şikefta Duderiyê) والذي عُثِر فيه على أوّل هيكل عظمي متكامل للإنسان البدائي نياندرتال، وحصن النبي هوري بقلعته المترامية الأطراف والمدرج المسرحي، بالإضافة لجسرين يعود زمن بنائهما إلى العصر الروماني وغيرها من المواقع الأثرية المهمة ﻜ (قلعة سوره – قلعة شقيف – كنيسة مار مارون).

وتشير المصادر التاريخية أنه في العهد الروماني، كان يمر من موقع مدينة عفرين الحالية، أحد الطرق الرومانية المعبدة “السريعة”. وأظهرت الحفريات على الجهة الجنوبية من شارع طريق جنديرس، حجارة بناء ضخمة، ربما كانت أساسات لأبنيةٍ قديمة، أو أحجار القاعدة لذلك الطريق الروماني.

كما تذكر كتب التاريخ، أنه في القرون الوسطى – حوالي القرن الرابع عشر الميلادي- كان في موقع المدينة، جسر باسم “قيبار”، على اسم علي قيبار، صاحب حصن قيبار بجانب قرية قيبار الحالية.

وفي أواخر العهد العثماني، شيّدت خانات لإيواء المسافرين في موقع المدينة، في مكان مبنى البلدية الحالي بجانب الجسر. ولما سمي منطقة عفرين قضاءً، وقع الاختيار على موقع مدينة عفرين بجانب الجسر لتأسيسها، كما ذكرنا، وبقي اسم الجسر “كوبريه” يطلق على البلدة إلى أمدٍ قريب ، تعلوها قرية صغيرة “زيدية”، والتي صارت اليوم حياً من أحياء المدينة.

وبدأ العمل في إشادة الأبنية الحكومية، ومكاتب الإدارة المدنية كالمخفر والسجن، والسراي المؤلف من 24 غرفة بطابقين سنة 1923 وانتهت مع نهاية عام 1925 أو بداية 1926. واتخذ طريق ” قرية الحمام ” المتجه غرباً شارعاً رئيسياً، يحيطه من الجانبين دكاكين ومحلات تجارية، مع فندقين صغيرين. وتجدر الإشارة إلى أن مدن “عفرين والقامشلي والسويداء” هي من تصميم المهندسين الفرنسيين “إيكوشار و دانجيه” بنموذجها الموحد.

وبعد الانتهاء من إقامة الأبنية الرسمية، تأسّست مكاتب لدوائر السجل المدني، والمالي، والإفتاء، وباتت مدينة عفرين مجمعاً للوثائق الرسميّة وما يتعلق بأمور الناس الشخصية من سجلات النفوس والعقارات وغيرها بدلاً من مدينة كلس.

أما أوائل سكان بلدة عفرين، فكانوا من الأرمن الذين يلوذون بالقوات الفرنسية اتقاء شر القوات التركية، وبنوا دوراً لهم قرب الأبنية الحكوميّة، ثم تلاهم في السكن، بعض آغوات المنطقة، مثل آل سيدو ميمي، وآل غباري، وزعيم الإيزديين درويش آغا شمو، وأحمد خليل آغا من معمل أوشاغي، وآل شيخ اسماعيل زاده ” كورشيد  وأحمد جعفر ” وغيرهم.

 

وبقيت عفرين بلدة صغيرة، تنتشر دورها أسفل السفح الجبلي بشكل متناسق وجميل، ولكن كانت في معظمها طينية حجرية مسقوفة بالخشب. وشهدت البلدة توسّعاً عمرانياً كبيراً بسبب الهجرة المحلية الكثيفة إليها منذ نهاية عقد الستينات من القرن العشرين، فتشكلت أحياء جديدة: حي المحمودية “نسبة إلى ساكنها الأوائل” في الشمال الغربي، وحي الزيدية القرية القديمة في الشمال، ثم حي الأشرفية في الشرق، ومؤسسه وحيد الطحان الذي أنشأ فيها طاحونة وداراً للسكن، وحي القراج  في الجنوب الشرقي، ومؤسسه هوريك الطبال. ويمتد الحيَّان الأخيران على مرتفع   شرقي نهر عفرين آخذاً اتجاهاً شمالياً جنوبياً إلى قرية ترنده، التي ضُمّت هي أيضاً إلى المخطط التنظيمي للمدينة مؤخراً. وهناك حي البوبنة المحاذي للضفة الغربية لنهر عفرين. كما شهدت خلال الأزمة السورية موجات نزوحٍ كبيرة من مدينة حلب وسائر المناطق السورية هرباً من الحرب الدائرة منذ سبع سنوات.

مدينة عفرين بموقعها الجغرافي واستقامة شوارعها ومناخها ونهرها، مدينة جميلة وهادئة، يصفها المعجم الجغرافي السوري بأنها أجمل المدن الصغيرة في سورية. وهي حالياً مركز مقاطعة عفرين، والمركز الرئيسي لنشاطها الاقتصادي، والاجتماعي، والإداري. فمنذ العقد الأخير من القرن العشرين بدأت حركة بناء هامة في المدينة، فتحول شارع طريق راجو إلى مركز تجاري وعمراني رئيسي لها، وارتفعت على جانبيه الأبنية الطابقية، والمحال التجارية ، لمختلف أنواع البضائع.

وفي المدينة سوق تجارية يومية “سوق الهال”، تعرض فيه المنتجات الزراعية والحيوانية، إضافة إلى سوق الأربعاء الأسبوعي. وفيها عدة معامل لتصنيع البيرين والصابون، ومعاصر للزيتون، ومعامل صغيرة لمواد البناء والمأكولات، ومعمل للمشروبات الروحية يعود إنشاؤه إلى عام 1927. كما تكثر الورش الصناعية الفنية للنجارة والحدادة وصيانة الآلات والمركبات.

خط قطار بغداد.. مساره في عفرين من المدخل إلى المخرج

يبلغ طول الخط المار من مقاطعة عفرين حوالي /61/ كم ابتداءً من قرية ميدان أكبس، مدخلها السوري، التابعة لمنطقة راجو وانتهاءً بقرية قاطمة التابعة لشرا, وتوجد عليه (4) محطات توقيفية للحمل والنقل بناها الألمان آنذاك وهي : “محطة ميدان أكبس, محطة راجو, محطة عفرين قرب قرية قرت قلاق, محطة قاطمة “, ويمر بأربعة أنفاق محفورة في المرتفعات الجبلية ” من ميدان أكبس باتجاه الجنوب “النفق الأول قرب قره بابا بطول 130م, والنفق الثاني قرب جسر هره دَره طوله 165م, النفق الثالث قرب قرية موساكو طوله 540م, النفق الرابع تحت قرية مشعلة في ناحية شرا طوله 235م”.

ويجتاز خمسة جسور حديدية هي: جسر “هره دَره” والتي تعني باللغة الكردية (كل مكان) والذي يُعتبر أحد أهم المعالم التاريخية في المقاطعة، وهي من أكبر الجسور بطول 450م، و97م ارتفاعاً من أسفل وادي حاشوركه ، وجسري كتخ و زرافكه على نهر كتخ, وجسر آستار, وجسر جومكه على نهر عفرين.

أهمية اقتصادية وسياحية لسكان المنطقة

يشير التاريخ المدون على العوارض الحديدية لهذا الخط المار من عفرين/جبل الكرد (Çiyayê Kurmênc) إلى عامي 1911 و 1912. ومنه يُستنتج أن الانتهاء من أعمال تمديده في الجبل كان بين عاميّ 1911 و 1912.

وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن قرية ميدان اكبس المتاخمة للحدود السورية التركية نشأت إبان تمديد خط القطار السريع والذي عرف بخط قطار بغداد بدايات القرن العشرين ، فمعظم سكان وقاطني القرية الحاليين هم في الأصل من قرى ميدونو بناحية راجو ، الذين توافدوا إلى مبنى محطة القطار الحالية والتي تعتبر المركز الحقيقي للقرية والتي ما يزال سكان القرية والقرى المجاورة يطلقون عليها اسم (ستاسيون/Stasyon) والتي تعني المحطة أو الموقف باللغة الفرنسية. كما عملت العديد من العائلات الأرمينية ضمن مبنى المحطة ككادرٍ إداري وفني بالإضافة إلى عدد من سكان ميدان اكبس الأصليين في مرحلة إنشاءها.

وقد عمل في بناء هذا الخط المئات من أبناء المنطقة وساهم بخلق فرص عمل لمئات العائلات العفرينية وتنشيط اقتصاد عفرين ككل حينذاك، وكان يدخل عبر محطة ميدان اكبس يومياً ما يتراوح بين 150 – 200 مقطورة محملة بمختلف صنوف المواد والبضائع والمواشي متجهة إلى مدينة حلب مروراً بمختلف مناطق الشمال السوري دخولاً إلى الأراضي العراقية ومنها إلى وجهتها النهائية بغداد.

اللباس التراثي العفريني

ألبسة المرأة تختلف من فئة اجتماعية إلى أخرى، فالمرأة في الأسرة الغنية تلبس القماش الجيد الغالي الثمن، كالمخمل والحرير. أما المرأة الفقيرة، فتقتني الأقمشة الرخيصة من الخام. والصفة المشتركة بين لباس الفئتين، كانت الألوان الزاهية. أمّا أسماء وأنواع اللباس فهي واحدة تقريباً.
فلباس الرأس في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كان يختلف بين المرأة المسنّة والزوجة الشابة والفتاة. فكبيرة السن كانت تضع الكوفية، والأصغر سناً تضع الطربوش في المناسبات، أو منديلاً خاصاً يسمى جيور أو شاش، ثم استبدلت الكوفية بمنديل خاص (شال) ذي ألوان مختلفة، ويوضع تحته منديل أصغر يكلل الجبهة مع الرأس، يعرف بـ بارني، وهذا الزي لايزال موجوداً لدى بعض النساء المسنّات.
أما الفساتين فهي ملونة تلبس فوق إزارٍ داخلي (كراس/Kiras)، وسروال داخلي (هفال كراس/Heval Kiras) يشبه سروال الرجل، مصنوع من القماش الخام الملوّن، وهاتان القطعتان هما من الخام الأبيض لدى المرأة الإيزدية. أما لباس القِدم، فالمرأة كانت تنتعل (توسم و قب قاب)، وهي أحذية مشتركة بين الرجال والنساء.

وكانت العباءة لباساً تقليدياً واسع الانتشار.  وحينما حل الفرنسيون في هذه البلاد، جلبوا معهم الجاكيت، الذي حل محل العباءة الجبلية التقليدية.
أما من الأسفل فيلبس السروال العفريني التقليدي (شلوار/Şelwer) فوق سروال أبيض فضفاض (دربى سبي/Derpiyê Sipî). وكانت المرأة تشدّه إلى الخصر بخيط طويل وسميك مصنوع من الصوف والوبر المشغول يدوياً، يسمى (بزي/Pizî). أمّا الرجل فيشد خصره بلفافة عريضة مصنوعة من الحرير، يوضع تحتها الخنجر والمسدس وأداة التدخين الطويلة (Şiv) ، إضافة إلى حزام جلدي يسمى بيلسى له جيوب ومخابئ توضع فيها الأدوات الشخصية الصغيرة. وينتعل الرجل حذاء توسم الأحمر المصنوع من الجلد كحذاءٍ تقليدي دارج.

بينما سواد الناس فكانوا يلبسون (داربى سبي / كروس) من الخام الأبيض، وهما قطعتان من الخام الأبيض، وهي تشبه إلى حدٍّ كبير لباس شعوب شبه القارة الهندية. ولازال هذا النوع من اللباس موجوداً لدى كبار السن، ولكنه يلبس تحت الشروال.
وأمّا (كورتكي شفان/Kurtikê Şivan)‏ فهي لباس خاص بالرعاة له قبعة، بلا أكمام، يصنع من اللباد السميك المؤلف من الصوف وشعر الماعز، يلقى على الأكتاف ويغطي كامل الجسم.

عفرين خلال ثورة روج آفا .. عروس روج آفا

إبّان الثورة السورية التي انطلقت من مطالباتٍ شعبية في ربيع العام 2011، وإثر انحراف مسارها وتوجهها نحو العسكرة والعنف، اتخذ مجرى التطوّرات منحى آخر وخصوصاً مع اشتداد وتيرة المعارك والصراع على السلطة في سوريا. وبعد أن تحوّلت معظم المدن والمناطق السورية دماراً، كانت مناطق روج آفا وضمنها عفرين ملاذاً آمناً لمئات الآلاف الذي هربوا من آتون الحرب الدائرة، وبشكلٍ خاص من مدينة حلب وأريافها، فتحوّلت عفرين إلى مركز بشري هائل بعدما هُمّشت نتيجة سياسات النظام السوري تجاه المناطق الكردية على مدى أربعة عقود من حكم البعث، وأصبحت بؤرة للنشاط التجاري والاقتصادي بعد أن دّمِرت المنطقتان الصناعيتان في مدينة حلب، وباتت مؤخراً معبراً تجارياً يصل كافة مناطق سوريا بعضها ببعض.

ومع انطلاق ثورة روج آفا في تموز من العام 2012، وتحرير المناطق الكردية من النظام السوري، شهدت عفرين تطوّرات على كافة الأصعدة وخصوصاً اقتصاديّاً، وأصبحت مركزاً تجارياً مهماً في المنطقة ومقصداً لعشرات الصناعيين والمنتجين الذين وفدوا إليها من مختلف المدن السورية، الأمر الذي وفر فيها المئات من فرص العمل والكثير من الإمكانيات الاستثمارية، بعدما كانت منطقة صغيرة يغلب عليها الطابع القروي ردحاً من الزمن. كما وشهدت عفرين خلال السنوات الأربع الأخيرة وخصوصاً مع إعلان الإدارة الذاتية الديمقراطية بتاريخ 29/1/2014 نموّاً كبيراً في حركة العمران، إضافة إلى التقدّم الملحوظ في الجانبين العلمي والتقني، حيث افتتح معهدٌ للغة والأدب الكردي باسم (معهد الشهيدة فيان أمارا) الأول في روج آفا، إلى جانب عدد من المعاهد العلمية والتقنية وجامعةٍ سمّيت باسمها (جامعة عفرين/Zanîngeha Efrînê) الأولى من نوعها على مستوى روج آفا، والتي تدرّس فيها عدّة فروعٍ علمية وأدبية وكذلك عدّة معاهد موسيقيّة، وقد لعبت دوراً كبيراً في النهوض بالواقعين التعليمي والتربوي ضمن المقاطعة، ومستشفيين كبيرين (مشفى آفرين و مؤخرّاً مشفى الشهيد فرزندة) وعدّة مخابر طبية والتي كان لها بالغ الأثر في تطوير الواقع الصحي في المقاطعة وكانت مقصداً لأهالي المناطق المجاورة، إضافة إلى افتتاح مطبعتي (آرين و روكسان) إلى جانب العديد من المطابع الخاصة، كما شهدت المقاطعة انفتاحاً سياحياً ضمن الإمكانيات المتوافرة، حيث افتتحت عدة مطاعم على امتداد المقاطعة، كما افتتح مؤخراً فندق تحت إشراف هيئة السياحة (التابعة لإدارة المقاطعة)، لاستقبال النزلاء والوفود الديبلوماسية والإعلامية القادمة إلى المقاطعة.

ANHA