الاتصال | من نحن
ANHA

عفرين.. تاريخها، موقعها وطبيعتها

ملف

أحمد رشيد

عفرين- تتميز مقاطعة عفرين بطبيعة خلابة وجغرافية مميزة تتوجها على عرش المدن الكردستانية والسورية الأجمل والأكثر تنوعاً، فالتضاريس فيها تندرج بين الطبيعة الجبلية والسهلية، ما أكسبها غنى بالثروات الباطنية والسطحية وتعتبر منطقة زراعية بامتياز، إلى جانب ما لها من مكانة تاريخية حيث شهدت تعاقب عدد من الحضارات المتلاحقة التي تركت آثاراً شاهدة على أصالتها، كما تعتبر حاضنة لإثنيات ومعتقدات ومذاهب مختلفة، ما بين عرب وكرد، مسلمين وإيزديين وزرادشتية، سنة وعلويين ما جعلها موزاييكاً منوعاً ونموذجاً مصغراً للتعايش المشترك بين الشعوب.

عفرين .. الأصل والتسمية

عفرين (كرداغ – جبل الكرد) هو اسم نهر عفرين، وأطلق على المدينة بعد تأسيسها مطلع القرن العشرين وفقاً لما ورد في كتاب (جبل الكرد – عفرين دراسة جغرافية شاملة) للدكتور محمد عبدو علي.

وتختلف المصادر التاريخية واللغوية حول تحديد الأصل الحقيقي لكلمة عفرين، لكن معظم التفسيرات القائمة في هذا الخصوص ترجح فرضية الجذر اللغوي الهندو – أوربي (الآري) المركب من كلمتي “Ap/Av” والتي تعني باللغة الكردية (الماء) و”riwîn” والتي تعني اللون الأحمر الترابي وبذلك تصبح كلمة “Apriwîn” أو “Apa riwîn” تعني الماء الأحمر الترابي.

وهناك فرضية أخرى ترجع أصل التسمية إلى كلمة  “Aprê/Avrê” والتي تعني مجرى الماء في إشارة إلى المسار الذي يسلكه نهر عفرين.

موقعها .. التضاريس والمناخ

تقع مدينة عفرين في الزاوية الشمالية الغربية من سوريا في النقطة 36°30′36″) ) على خط العرض شمالي خط الاستواء و النقطة  (36°52′04″)على خط الطول شرقي خط غرينيتش، حوالي (60) كم شمال غرب مدينة حلب السورية على الحدود المصطنعة التي تفصل باكور كردستان عن روج آفا والتي تحدها من اتجاهي الشمال (محافظة كلس) والغرب (إقليم هاتاي/إسكندرون)، في حين يحدها من الجنوب محافظة إدلب السورية بلدة دارة عزة ومن الشرق مدينة إعزاز في ريف حلب الشمالي.

وتتنوع تضاريس عفرين ما بين الطبيعة الجبلية والتي تعتبر في معظمها سلاسل جبلية ممتدة من جبال طوروس ، كجبل هاوار (çiyayê Hawar) والجبل الكبير (çiyayê gir) الذي يعتبر أعلى جبالها بارتفاع يزيد عن /1000/ م وقمتي (بلال الحبشي) و قره بيلي (Qere Bêlê) والسهلية المنوعة (سهل شاديا الذي يعتبر امتداداً لسهل العمق وسهول شيه وجندريسه) إلى جانب العديد من الوديان كوادي النشاب (geliyê Tîran) ووادي (Sari Sînê) ووادي شيه (geliyê Şiyê)، وعدد من الأنهار كنهر عفرين الذي يعتبر أهم مصدر مائي لها إلى جانب النهر الأسود الذي يفصل بينها وإقليم (هاتاي/إسكندرون) .

كما تغطي الغابات الحراجية الطبيعية مساحات واسعة من عفرين والتي تشكل أشجار الصنوبر جزءاً كبيراً منها إلى جانب السرو والبلوط.

وتتميز عفرين بمناخها المعتدل لقربها من البحر الأبيض المتوسط، والذي يكسبها مناخاً معتدلاً وطبيعة زراعية مميزة تناسب مختلف أنواع الزراعات المتوسطية.

المساحة والديمغرافيا

تبلغ مساحة عفرين أكثر من (202000) هكتاراً أو (2020) كم² وفقاً لإحصاء قامت بها مديرية زراعة المنطقة سابقاً التابعة للدولة السورية.

وجرى تقسيمها إدارياً بعيد الأزمة السورية إلى سبع نواحي هي (شيراوا، جندريسه، شيه، موباتا، راجو، بلبله، شرا) إضافة إلى مركز المقاطعة و/366/ قرية. ووفقاً لسجلات الأحوال المدنية السورية نهاية العام /2000/ م بلغ عدد سكان عفرين (450000) نسمة ، ووفقاً لتقديرات بلدية عفرين نهاية العام /2010/ م فقد تجاوز عدد سكان عفرين نصف مليون نسمة، ومع بداية الثورة السورية في آذار من العام /2011/ م وأعمال العنف التي شهدتها مدينة حلب السورية تباعاً والتي اضطرت معها سكان حيي الأشرفية والشيخ مقصود والتي شكّل الكرد غالبيتهم النزوح والعودة إلى قراهم ومدينتهم عفرين مطلع العام /2013/ م ، الأمر الذي تسبب بتضخم سكاني كبير وتجاوز عدد سكان عفرين حينها المليون نسمة وفقاً لتقديرات محلية.

ولطالما اعتبرت عفرين موزاييكاً نموذجياً من ناحية الإثنيات والطوائف التي تعيش فيها جنباً إلى جنب، فاحتضنت العرب والكرد الذين يشكلون الغالبية الساحقة من سكانها وبعضاً من التركمان، إلى جانب وجود تنوع في المعتقد، حيث يشكل المسلمون أغلب سكانها معظمهم من السنة مع أقلية علوية تتمركز في مركز ناحية موباتا بشكل خاص، يليهم الإيزيديون والزرادشتية إلى جانب قلة قليلة اعتنقت الديانة المسيحية مؤخراً بعيد الأزمة.

اقتصاد عفرين .. الزراعة والصناعة

عفرين منطقة زراعية بامتياز ذات مناخ متوسطي تتمتع بغزارة مطرية، وتربة خصبة تناسب معظم أنواع الزراعات المتوسطية، ويأتي الزيتون على رأسها والذي يعتبر الزراعة الرئيسية على امتداد المقاطعة والمورد الأساسي لاقتصادها ويبلغ عدد أشجارها حوالي (15) مليوناً (مشتقات الزيتون  كالزيت – صابون الغار – الاستفادة من أغصانها بعد التقليم والاستفادة من أوراق الاغصان كغذاء للحيوانات- البيرين – الخ) ، وزراعة الحبوب كالقمح الذي يعتبر هو الآخر صمام أمنها الغذائي والعدس والشعير، إلى جانب عدد من الزراعات الموسمية كالخضار بأنواعها والفاكهة التي يأتي العنب والرمان على رأسها ما يجعلها نموذجاً مميزاً للاكتفاء الذاتي زراعياً.

وبسبب طبيعتها الزراعية فمعظم الصناعات الموجودة في عفرين هي صناعات زراعية أو صناعات قائمة على الزراعة، تأتي في مقدمتها صناعة زيت الزيتون إلى جانب عدد من الصناعات المشتقة كالصابون وصناعة البيرين ومربى العنب والرمان، عدا عن عدد من الصناعات وهي المهن كالخياطة والحرف اليدوية الأخرى.

وبعيد الأزمة السورية دخلتها عديد من الصناعات الحديثة نسبياً كصناعة الأغذية المعلبة، والنسيج إلى جانب عدد كبير من ورشات الخياطة والمكاحت ومعامل صناعة البطاريات.

إلى جانب الغنى السطحي لعفرين والذي تعتبر الثروة الزراعية عماده، هنالك الثروات الباطنية كالحديد والرخام، إضافة إلى معادن أخرى ولكن الإهمال المتعمد من قبل نظام البعث وعدم رغبته في تنشيط عفرين اقتصادياً تركتها غير مستثمرة إلى الآن.

عفرين عبر التاريخ

تحتل عفرين مكانة تاريخية بارزة في المنطقة، وتعاقبت عليها عدد من الحضارات كالهورية والميتانية والرومانية واليونانية والبيزنطية والتي ماتزال آثارها شاهدة عليها حتى الآن، ففي عفرين عشرات المواقع الأثرية التي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة كمغارة دوداريه (Şikefta Duderiyê) والتي اكتشفت فيها بقايا الإنسان (النياندرتالي) وقلعة النبي هوري وعين داره وقلعة سوره (Kela Sûrê) ومدينة سمعان الأثرية والتي تعتبر قلعة سمعان مركزها، وبعض المواقع الأثرية الدينية كموقع (مار مارون) في قرية براد بناحية شيراوا والجسرين الرومانيين في ناحية شرا والينابيع الرومانية في شيه.

ورغم غناها الأثري والتاريخي إلا أن النظام السوري تعمد إهمالها ولم يولها الأهمية التي تستحقها لكرديتها، فبقيت العديد من مواقعها الأثرية ومراكزها التاريخية منسية أو غير مكتشفة حتى الآن. خلال أعوام ثورة روج آفا وشمال سوريا كانت عفرين نموذجاً للمنطقة الآمنة في حماية وحدات حماية الشعب والمرأة وإدراة مؤسسات الإدارة الذاتية الديمقراطية، ورغم الحصار المشددة الذي تفرضه مجموعات المرتزقة من جهة والدولة التركية من جهة أخرى، وما تبعها من آثار اقتصادية، فإن منطقة عفرين كانت على الدوام الملاذ الآمن لعشرات الآلاف من النازحين من مختلف المحافظات السورية، الفارين من مناطق الاشتباك بين الجهات المصارعة على السلطة في سوريا.

تتعرض منطقة عفرين منذ 20 كانون الثاني 2018 لهجوم واعتداء سافر من قبل جيش الاحتلال التركي والمجموعات المرتزقة التابعة  لتركيا بهدف احتلال عفرين بحجح واهية، تنفيذاً للمخططات التركية للمكاسب التي حققتها شعوب روج آفا وشعوب عفرين بشكل خاص. هجمات الجيش التركي ومرتزقته المتوصلة حتى الآن تضمنت غارات جوية استهدفت العديد من المناطق الآهلة بالسكان ما أسفر حتى الآن عن فقدان 18 مدنياً وإصابة العشرات.

وتتصدى قوات سوريا الديمقراطية لمحالات الجيش التركي للتوغل داخل اراضي عفرين فيما أسفرت المعارك بحسب مصادر من قوات سوريا الديمقراطية عن مقتل 40 عنصراً من جيش الاحتلال التركي ومرتزقته.

(ش)

ANHA