الاتصال | من نحن
ANHA

ظاهرة التهجير الممنهج في المنطقة، الأسباب والتداعيات

ملف

فرهاد شامي 

عمليات التهجير في سوريا والعراق -1

شكل التوغل التركي المباشر في سورية في 24 آب 2016 بداية لمرحلة جديدة من الصراع على الجسد السوري بشكله العلني. التوغل الذي صادف الذكرى الـ 500 للغزو العثماني لسورية أعاد إلى الذاكرة ممارسات الامبراطورية العثمانية في فرض الإيديولوجية التركية بالقوة ولكن بأدواتها المعاصرة في ظلّ حكم أردوغان الذي لم يتأخر في التأكيد على انتقادات معارضيه على أنه السلطان العثماني الجديد. 

على الرغم من مرور أكثر من 100 عام من انتهاء الحقبة العثمانية في سورية، إلا أن الجوانب المظلمة لتلك الحقبة لا تزال تتشعب عند الحديث عنها، وخاصة عند تناول ملفات المفقودين جراء القتل العمد والإبادة والتهجير الممنهج للشعوب الأصيلة عن ديارها وخاصة الأرمن والمسيحيين والشركس والكرد والعرب المناهضين لسياسات التتريك حينها، وما تبعها من سياسات أخرى شوفينية بعد تشكيل الجمهورية التركية. حيث يكون السؤال عن أحوال الأهل في الطرف الآخر من الحدود سواء كان في سورية أو تركيا أو حتى في العراق مكرراً في مجالس الكرد والعرب السوريين أو العراقيين أو الأتراك، في ظاهرة قد تبدو طبيعية عند البحث في جذور ممارسات الاستبداد التي عززت ظواهر التهجير والنفي والإبعاد حين يخالف الطرف المعني سياساتها وإن كان أصيلاً، لذا لا بد لنا من تأصيل ظاهرة التهجير وخاصة أنها تتكرر في العديد من المناطق في الشرق الأوسط وبخاصة في سورية حيث الحرب والتدخلات الاقليمية والدولية في أوجها، في ظل عدم وجود رادع للقوى التي تمتهنها وخلطها بالحسابات والمصالح السياسية للدول الداعمة للمنظمات الحقوقية.

لم يختف التهجير من ممارسات العديد من دول المنطقة وبخاصة في الشرق الأوسط كوسيلة أساسية لاقتلاع الشعوب الأصيلة وتغيير ديمغرافية المنطقة بغية تحقيق المكاسب السياسية والعسكرية والتجارية، وتأمين الولاء للسلطة الحاكمة ترغيباً أو ترهيباً، وتتصدر الأنظمة المتعاقبة في سورية والعراق وتركيا قائمة الأنظمة التي طبقت التهجير بحق شعوبها بشكل مستمر وإن برز بشكل أكبر أوقات الحرب.

ففي سورية التي ينشغل نظامها اللاشرعي في هذه الأيام بإتمام عمليات ما تسمى بالمصالحات وهي عبارة عن عمليات تهجير بالتراضي في العديد من مدن الداخل والعاصمة، وتشير الاحصائيات إلى أن أكثر من 8 ملايين شخص قد تم تهجيرهم إلى خارج البلاد بفعل عمليات القصف الجوي واستعمال العنف في سورية من قبل النظام والمجموعات المسلحة، فيما تختفي الاحصائيات الدقيقة عن أعداد المهجرين إلى مدن الداخل بفعل الحساسيات الطائفية التي أوجدتها سياسات النظام وأعوانه والمعارضة المسلحة وداعميها. الجذور التاريخية للتهجير في سورية تتعمق إلى ستينات القرن الماضي عندما بدأت سلطات البعث في تهجير الكرد من مناطقهم في الشريط الحدودي مع الدولة التركية في مناطق الجزيرة وتطبيق مشروع “الحزام العربي” فيها، حيث استمرت الضغوطات على الشعب الكردي لإفراغ ما تبقى من أراضيهم وخاصة في القرى الحدودية وتوجيههم إلى مدن الداخل كدمشق وحمص وحلب بغية الصهر بمعناه الثقافي والاجتماعي والسياسي، وتشير الاحصائيات إلى أن أكثر من 600 ألف من الكرد ومعظمهم من أبناء القرى قد هاجروا إلى تلك المدن بحثاً عن العمل بعد قطع الدعم عن الفلاحين بعد انتفاضة 2004 والإجراءات الأمنية والفصل من الوظائف الحكومية على الرغم من قلتها التي استهدفت عدد كبير من الكرد مما استوجب الاختفاء عن الأنظار نتيجة عمليات الملاحقة والاستجواب الطويلة للمطلوبين. لم تٌلاحق حكومة البعث لحد الآن بسبب تلك الجرائم التي لم تكن أقل من جرائم الرئيس السوداني عمر البشير في دارفور والتي مُنع البشير بسببها من مغادرة البلاد بسبب ملاحقة مجلس الأمن له.

واستكمل داعش والمجموعات المسلحة في سوريا ما بدأه النظام البعثي من تهجير أبناء الطوائف والأعراق المتعددة في سورية، ففي كري سبي “تل أبيض” ساعد الكرد صديقهم الأرمني الوحيد المتبقي في دق جرس كنيسة المدينة العام الماضي بعد فرار أكثر من 100 عائلة أرمنية جراء الأحداث في سورية، لم تساعدنا الوثائق والأدلة المتوفرة في معرفة السبب الحقيقي لهجرة أكثر من 200 عائلة مسيحية وأرمنية من بلدة تل كوجر على الحدود العراقية أثناء حكم البعث ومن بعده المجموعات المسلحة، في الوقت الذي يحافظ فرد أرمني واحد وعائلتين مسيحيتين على ذكرى أقاربهم في البلدة بعد عودتهم إليها أثناء تحريرها من قبل وحدات حماية الشعب عام 2013. إلى هذه اللحظة يمنع الكرد من العودة إلى ديارهم في الرقة في ظل وجود داعش، أما القرى الكردية في جرابلس فلا تزال خالية من سكانها الكرد بعد سيطرة المجموعات المسلحة المدعومة من تركيا عليها، فيما عادت العشرات من العوائل الكردية إلى كري سبي بعد سيطرة الوحدات عليها وطرد داعش منها والذي قام بتهجير الكرد من المدينة استكمالاً لممارسات الجيش الحر وجبهة النصرة بعد تفجير دار الشعب في المدينة أثناء وجودهم فيها، وتبشر قوات سورية الديمقراطية الكرد وعدد من العائلات العربية بالعودة إلى مدينة الطبقة بعد أكثر من عامين من فرارهم من المدينة تحت تهديد داعش لهم بالقصاص على خلفية انتمائهم العرقي.

في العراق، حيث نظام صدام حسين، بدأت حملات التهجير بالتوازي مع عمليات الإبادة التي استهدفت الكرد وفي مقدمتهم الكرد الشبك في الموصل وخانقين وكركوك في أعوام 1988 – 1989، وكذلك تهجير الكرد السنة من نفس تلك المناطق باتجاه هولير والسليمانية. تهجير العرب الشيعة من مناطقهم في جنوب العراق بعد تجفيف الأهوار وتدمير البيئة المائية بناء على أسباب سياسية وطائفية. تهجير المسيحيين والكرد الإيزيديين من الموصل على خلفية انتماءاتهم الدينية جعلت من تلك المدينة قلعة للسنة المؤيدين للنظام البعثي، استفاد منها داعش في تهجير ما تبقى من تلك المكونات، حيث يندر أن تجد مسيحياً واحداً في الموصل في الوقت الحالي، فيما كان هدم وتخريب الأماكن الدينية المقدسة للمسيحيين والأديان الأخرى مادة إعلامية دسمة لوسائل إعلام داعش. إلى هذه اللحظة يبحث الكرد الإيزيديين عن أكثر من 5 الاف امرأة وقعوا في قبضة داعش كسبايا بعد فرار بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني من شنكال في آب 2014 في أكبر عملية تهجير في المنطقة بعد تهجير الأرمن في تركيا عام 1915 حيث سجلت الاحصائيات تهجير أكثر من نصف مليون كردي إيزيدي من شنكال وتوزعهم في العديد من دول المنطقة فيما فتحت تركيا أبواب الهجرة إلى أوروبا للبعض منهم.

غداً: عمليات التهجير في الحقبة العثمانية وبعد إعلان الجمهورية التركية.

(م)

ANHA