الاتصال | من نحن
ANHA

ظاهرة التهجير الممنهج في المنطقة، الأسباب والتداعيات -4

ملف

عمليات التهجير في مناطق الشهباء

نشر مركز توثيق الانتهاكات في مناطق الشهباء تقريراً عن عمليات التهجير التي تقوم بها تركيا والمجموعات المسلحة المؤيدة لها في مناطق الشهباء التي تمتد على مساحة أكثر من 60 كم في الشمال السوري، وبحسب المركز فإن الجيش التركي والمجموعات المرتزقة المنضوية تحت سقف “درع الفرات”، قامت خلال شهرين بتهجير سكان أكثر من 60 قرية كردية في مناطق الشهباء وبخاصة قرى الباب وإعزاز، وتوطين عوائل مؤيدة لها في تلك القرى. التهجير الانتقائي الذي تمّ بناء على تهجير أشخاص وعائلات اتهمت بأنها مؤيدة لوحدات حماية الشعب تحولت فيما بعد إلى تهجير جماعي للعشرات من العائلات الكردية في قرية النعمان حيث تم توطين 200 عائلة من عوائل مسلحي درع الفرات في منازل الكرد، فيما يبدو أنها مكافئة متفق عليها لتلك العناصر. عمليات التهجير الأخرى التي قامت بها كتائب الجيش التركماني الموحد والذي شكلته الاستخبارات التركية أواسط 2015، سبقتها عمليات ملاحقة للشباب الكرد تحت تهديد التصفية في حال عدم الانضمام لمرتزقة درع الفرات، وبحسب مركز التوثيق فقد تم ملاحقة أشخاص وتعميم أسمائهم ومن بينهم أناس متوفين منذ 19 عام كالكردي محمود المحمود من قرية النعمان، فيما فرض التحدث باللغة التركية أو العربية على الباقين.

ولا يزال الكرد يتذكرون تهجيرهم من قبل جبهة النصرة والجيش الحر في تل حاصل وتل عران عام 2013، بعد تنفيذ عمليات تصفية بحق أكثر من ثلاثين شاباً كردياً.

عمليات التهجير التركية تلك لم تستهدف الكرد فقط، فقد سجلت منظمات حقوق الانسان عمليات تهجير استهدفت السكان بناء على مشاركتهم في الاحتلال التركي من عدمه، وتستضيف عفرين وكوباني والجزيرة عشرات الآلاف من مهجري المناطق الواقعة تحت سيطرة الأتراك والمجموعات المرتزقة التابعة لها في الباب وجرابلس والراعي، في الوقت الذي عاد فيه جميع مبعدي منبج نتيجة الحرب ضد داعش بعد أقل من 15 يوماً من تحريرها العام الفائت. ويحتضن المنبجيون أقربائهم المهجرين من جرابلس والباب.

الخلفيات السياسية من وراء عمليات التهجير التركية في سوريا

في خلفيات تلك السياسة، لم يخفي الأتراك نواياهم في محاربة الشعب الكردي في سورية والاساءة إلى تحالفاتهم مع شعوب المنطقة من عرب وسريان وتركمان، بعد فضح الدبلوماسية الانسانية التي اتبعتها تركيا خلال السنوات الماضية واستغلت فيها المهجرين السوريين والأمم المتحدة نفسها في سبيل الحصول على مكاسب لها في العمق السوري وإنشاء مناطق مؤيدة لها. وتلخصت أهداف التهجير التي تنفذها آلة القمع التركية ووكلائها في الشمال السوري وخاصة ضد الشعب الكردي في ما يلي:

  • تعمل تركيا على إعادة فتح ممرات لها مع مناطق سيطرة داعش في الرقة والبادية السورية بعد إغلاقها من قبل قوات سورية الديمقراطية، وخاصة طريق النفط الذي يتم تهريب النفط السوري من خلاله إلى تركيا بواسطة داعش في دير الزور.
  • إنشاء مناطق مؤيدة لها على حدودها، تقوم بتجميع جميع عوائل مسلحي درع الفرات فيها، وإجراء استفتاء خلال الفترة القادمة بغية ضمها إلى تركيا، مستغلة بذلك الفوضى التي قد تعقب انهيار النظام ونجاح سياسات تقسيم البلاد، ولتركيا تجارب مهمة في تلك السياسات وإن كان أبرزها سلخ لواء اسكندرون عن سورية.
  • بناء قاعدة استخباراتية في مثلث جرابلس – إعزاز – الباب، مهمته تشكيل فرق الموت وتوزيعها على كافة مناطق الشمال السوري.
  • التمهيد للتقسيم، وإعادة تمركز عدو مستقبلي دائم ضد الكرد في الشمال السوري.
  • حل مشاكلها الداخلية عبر اختلاق مشاكل خارجية.
  • الوصول إلى نصر عسكري مستعجل تساعدها في الاستفادة من إعادة خلط الأوراق في سوريا.
  • البقاء بشكل أطول في سورية.
  • منع إيصال كانتوني عفرين وكوباني ببعضهما، وإطالة أمد الصراع مع الشعب الكردي بغية استنفاذ طاقاته.

مما لا شك فيه، أن نتائج سياسات التهجير في سورية سواء من قبل النظام البعثي أو تركيا والمجموعات المرتزقة ستكون كارثية على المجتمع السوري، وإن استثنينا النتائج السياسية والأمنية وخاصة تلك المتعلقة بالتغيير الديمغرافي، فأن تفكك المجتمع السوري وخلق حالة العداء بين مكوناته لا يبدو من المستحيل وأشبه بقنبلة موقوتة في ظل وجود قوى عميلة لتركيا تعمل ليل نهار على إثارة الفتن وضرب المكونات ببعضها البعض. إضافة إلى تبعات حالة عدم الاستقرار التي سترجع المجتمع إلى الوراء مائة عام أخرى أو أكثر. حيث جيل، بل أجيال من الأميين، وأجيال أخرى تبحث عن مسقط رأسها التي هي تحت أيدي تلك القوى بانتظار العودة.

يشهد التاريخ العثماني عمليات توسيع للحدود مرة أو مرتين في العام، وإن كان على حساب اضطهاد الشعوب الأصيلة في المنطقة، وهذا ما يعمل أردوغان من أجله ولو لم تساعده تغير موازين القوى في الشرق الأوسط من الوصول إلى أهدافه تلك، إلا أن الطموح التركي في التوسيع وتثبيت النفوذ في سورية لا يزال نقطة الاتفاق الأساسية بين حكومة أردوغان والعسكر في البلاد.

على العموم، يصنف التهجير ضمن الجرائم ضد الانسانية إلى جانب جرائم القتل والتعذيب والإبادة والإبعاد، وهي تحمل في طياتها الأسباب السياسية والدينية والعرقية، لذا كان لزاماً على الشعب الكردي والشعوب الأصيلة في المنطقة رفع دعاوي حقوقية ضد تركيا وتوثيق عمليات التهجير بجميع تفاصيلها وتقديمها إلى الجهات الدولية المعنية، والعمل مع شعوب الشمال السوري سوياً بغية إطلاق ثورة الشعوب ضد الاحتلال التركي. وخاصة أن الضرر من ذاك الاحتلال يشمل جميع الشعوب وبخاصة الشعب العربي الذي ما زال متهماً بأنه السبب الأساسي لسقوط السلطنة العثمانية بعد قيام الثورة العربية الكبرى، وإن استلطاف أردوغان المؤقت وحكومته لبعض الأفراد العرب المهجرين في مخيمات اللجوء في تركيا وتضخيمها كحالة إعلامية استفاد منها أردوغان ولم تساعد السوريين لحد الآن في تخفيف المعاناة، بل جعلتهم مادة للاتجار بهم وعقد الصفقات السياسية والأمنية على حسابهم.

ANHA