الاتصال | من نحن
ANHA

صمودها في وجه الاندثار هي دلالة على أصالتها

ملف

سيبان سلو- آهين بركات

مركز الأخبار – تمتلك اللغة الكردية في مخزونها الثقافي عناصر حية تجعلها واحدة من اللغات الحية في العالم، وما بقاؤها خلال هذه القرون صامدة في وجه الاندثار والضياع والإبادة إلا دلالة على قوتها وأصالتها.

اللغة عنصر أساسي وحيوي من عناصر الهوية الوطنية والثقافية لأي شعب أو مجتمع، فهي تربط الإنسان بتاريخه وثقافته وعلاقاته المجتمعية مع المحيط ، فمع تطور الأمة تتطور اللغة، وتخلف الأمة هو تخلف اللغة، أي بمقدار ضعف وانحلال هذه الأمة، تضعف وتنحل لغتها.

ولمعرفة الجذور التاريخية للغة الكردية فلابد من العودة إلى التاريخ والذي ذكر فيها أن اللغة الكردية في أصولها التاريخية هي الخلية النواة لمجموعة اللغات الهندوـ أوروبية.

بينما يرفض قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان في المجلد الخامس (الأمة الديمقراطية) انتماء اللغة الكردية إلى مجموعة اللغات الهندو- أوروبية. إذ يقول “لقد سميت خطأً بهذا الاسم والأصح هو تسميتها بالمجموعة اللغوية للثقافة الآرية، وهم كانوا الخلية النواة للمجموعات الهندو-أوروبية فيما بعد”.

ويصادف 15 أيار/ مايو من كل عام يوم اللغة الكردية، وفي تقريرنا هذا سنتطرق إلى صراع اللغة الكردية ضد الانصهار في سوريا. فقد عانى الشعب الكردي من التهميش على مدى عقود حتى أن عدداً كبيراً منهم كان محروماً من الجنسية السورية، ولم تكن اللغة الكردية لغة رسمية ولم تكن تدرس في المدارس، وكان ممنوعاً نشر أي كتاب بالكردية، وبالتالي لم يكن هناك وجود مراكز ثقافية ومدارس كردية.

وعلى الرغم من كل ذلك كانت هناك محاولات لتطوير وتعليم اللغة الكردية في سوريا والتي تعود جذورها إلى عام 1920، وحملت معها منذ تلك الأعوام إلى وقتنا الحاضر الكثير من الممارسات الشوفينية والعنصرية وفق مفهوم الدولة القومية التي تعتمد على دولة واحدة، قومية واحدة، دين واحد وعلم واحد. هذا يعني إنكار وتهميش جميع الهويات الأخرى، والذي يعني الفاشية في آخر المطاف، لأن عدم قبول الآخر يؤدي إلى فرض سياسة تعسفية، وبالتالي إلى أزمة دائمة.

إضافة إلى ذلك أصدر عضو اللجنة التنفيذية لحزب البعث العربي الاشتراكي محمد طلب هلال وثيقة من 12 بنداً بخصوص منطقة الجزيرة في عام 1965 التي هدفت إلى تجريد الكرد من أراضيهم ومن جنسيتهم السورية وممارسة سياسة التعريب والتهجير والتجويع بحقهم. ومنذ ذاك الوقت عانى الشعب الكردي الآمرين من تحريم لغته وتعريب مناطقه.

وبقي الوضع على حاله حتى عام 2002، فيما ظهرت الحاجة إلى تنظيم أعمال اللغة الكردية ففي شهر كانون الأول/يناير من عام 2002 عقد مؤتمر بمدينة الرقة شارك فيه 35 شخصاً من مناطق سوريا، وكانت هذه المرة الاولى التي يعقد فيها مثل هذا الاجتماع المنظم وتقرر فيه إنشاء مؤسسة ملمة باللغة الكردية لكن هذا الأمر أيضاً لم يصل للنتيجة المرجوة كون النظام البعثي لاحق جميع المشاركين فيه واعتقلوا جميعاً.

وفي عام 2007 عقد المؤتمر الأول لمؤسسة اللغة الكردية بمنطقة كوباني، تبعه المؤتمر الثاني عام 2008 بمدينة حلب، ومنذ ذلك الوقت حتى عام 2011 بداية اندلاع الثورة في سوريا كانت أعمال تعليم اللغة الكردية ونشرها وتطويرها تتم بشكل خفي وسري بعيداً عن أعين مخابرات النظام البعثي الذين لاحقوا واعتقلوا كل من حاول نشر اللغة الكردية.

ثورة روج آفا وحق التعلم باللغة الأم 

حققت ثورة روج آفا العديد من المكتسبات على جميع الأصعدة بما فيها الصعيد التعليمي لذا كان لابد من افتتاح مؤسسة للغة الكردية بشكل رسمي وهذه المرة باتت دروس اللغة الكردية تعطى بشكل علني ضمن مجموعات منظمة من الطلبة وكانت المرة الأولى تفتتح فيه مدراس للغة الكردية في مناطق عفرين، كوباني، ديرك وكركي لكي.

في شهر حزيران من عام 2012 كان لانعقاد المؤتمر الثالث لمؤسسة اللغة الكردية في مدينة عامودا أثر مهم في تطوير اللغة الكردية كونه تقرر فيه تدريب معلمي اللغة الكردية بشكل عاجل وأشبه بحملة استنفار تماشياً مع خطوات الثورة.

كما شهدت مقاطعات روج آفا الثلاث افتتاح أكاديميات للغة الكردية لتخريج معملي ومعلمات اللغة، ومنذ ذاك الوقت باتت أعمال نشر اللغة الكردية تسير على قدم وساق منظم.

ومع إعلان الإدارة الذاتية الديمقراطية في المقاطعات اتخذت سلسلة إجراءات أبرزها إدخال اللغة الكردية إلى المناهج الدراسية، وإعادة الأسماء الكردية الأصلية إلى القرى والبلدات التي عربها النظام مع اعلان الادارة الذاتية الديمقراطية وانشاء هيئة التربية والتعليم باتت أعمال إحياء وتدريب اللغة كلها تقام تحت سقف الهيئة.

ومع توسع مجالات التدريب دعت الحاجة الى توسيع أعمال المؤسسة أيضا لذا وفي ربيع عام 2014 تقرر في مؤتمر مؤسسة اللغة الكردية تغيير اسم المؤسسة الى حركة اللغة والتدريب أي أنها لم تعد مقتصرة على تعليم اللغة فقط بل باتت مسؤلة عن تدريب المجتمع أيضاً. كما وكانت إحدى قرارات هذا المؤتمر هي الحفاظ على ثقافات ولغات كافة المكونات والعمل على إحيائها.

ومع هذه الخطوة باتت اللغات الرسمية الثلاث في روج آفا وشمال سوريا تدرس بشكل نظامي في المدراس وحتى الصف الرابع من المرحلة الابتدائية كل مكون يدرس بلغته الأم.

افتتاح المعاهد والجامعات

مع بدايات 2015 وفي مقاطعات روج آفا الثلاث أنشأت معاهد إعداد المدرسين في كافة مناطق ومدن روج آفا، شهدت خلالها مقاطعة عفرين افتتاح “جامعة عفرين” بفروعها وافتتاح جامعة روج آفا في عام 2016 بمدينة قامشلو بمقاطعة الجزيرة.

وافتتح في مقاطعة الجزيرة 14 معهداً لإعداد المعلمين بالإضافة إلى 5 أكاديميات، 4 منها لإعداد المدرسين وواحدة مختصة باللغة الكردية، إلى جانب تواجد 30 مؤسسة لتعليم اللغة الكردية في مختلف مدن وقرى المقاطعة بالإضافة الى 5 كليات في جامعة روج افا تدرس فيها اللغة الكردية.

وفي مقاطعة عفرين يتواجد حالياً 13 معهداً و4 أكاديميات لإعداد المعلمين، بالإضافة إلى جامعة عفرين. ومقاطعة كوباني شهدت افتتاح معهدين وأكاديمية لإعداد المعلمين.

وخرجت هذه المعاهد حتى الآن حوالي 12 الف معلم ومعلمة موزعين على كامل المدن والمناطق في روج آفا والشمال السوري.

وفي شهر حزيران 2015 عقد المؤتمر الأول لحركة اللغة والتدريب وتقرر فيه تغيير اسم الحركة إلى لجنة التدريب في المجتمع الديمقراطي استنادا الى ترسيخ مفهوم الأمة الديمقراطية المبنية على أساس عدم إنكار الهويّات، وإنّما عكس ذلك تقوم على تقويّة كلّ الهويات الموجودة، وتجاذبها في حياة مشتركة.

ومع بداية السنة الدراسية 2015 – 2016 درست اللغة الكردية من الصف الأول الى الثالث الابتدائي. وفي العام الدراسي 2016 – 2017 بمقاطعة الجزيرة تقرر ان يتم يدرس المنهاج الجديد حتى الصف السادس بمقاطعة الجزيرة بينما بمقاطعة عفرين وكوباني شملت المراحل الدراسية الثلاث (الابتدائية، الإعدادية والثانوية).

ليس فقط في المدارس الرسمية !

استناداً إلى قرارات مؤسسة اللغة الكردية بتعليم اللغة الكردية خارج إطار المدارس أيضاً ونشرها بين كافة شرائح المجتمع .افتتحت المؤسسات في كافة المناطق والقرى. ففي عام 2016 خرجت هذه المؤسسات حوالي 500 مجموعة من الطلبة شملت المستويات الثلاث للغة.

الخطط المستقبلية

بعد كل المكتسبات التي حققتها اللغة الكردية خلال السنوات المنصرمة تطمح لجنة التدريب في المجتمع الديمقراطي إلى تحقيق المزيد من التقدم في نشر اللغة واحيائها ومن هذه الخطط التي تطمح لجنة التدريب في تنفيذها هي فتح 5 معاهد اخرى لتدريب المعلمين في المناطق التي تحررت من مرتزقة داعش، بالإضافة إلى افتتاح أكاديميتن جديدتين و5 كليات أخرى تدرس باللغة الكردية.

كما تسعى لجنة التدريب وضع كتاب خاص باللغة الكردية كمادة أساسية في المرحلة الثانوية في مقاطعة الجزيرة إلى جانب مواد تخص مادتي التاريخ والجغرافية.

مصادر هذه المادة:

أرشيف مؤسسة اللغة الكردية

أرشيف لجنة التدريب للمجتمع الديمقراطي

أرشيف هيئات التربية والتعليم في الجزيرة، كوباني وعفرين

وكالة أنباء هاوار

(ج ر)

ANHA