الاتصال | من نحن
ANHA

صادق إطميش: PKK طور مشروع الشرق الأوسط الجديد الكونفدرالي الديمقراطي

جهاد روج

مركز الأخبار – قال الكاتب والباحث العراقي الدكتور صادق إطـيمش إن حزب العمال الكردستاني تبنى مشروع الشرق الأوسط الجديد الكونفدرالي الديمقراطي. وأشار إلى أنه طور بوصلة توجه جديدة في مسارات الأحزاب السياسية اليسارية في الشرق الأوسط.

واعتبر الدكتور إطيمش أن حزب العمال الكوردستاني حرص على الحفاظ على بوصلة الفكر التقدمي تحت ظروف شديدة القسوة خلال مسيرته، مؤكداً أن المرأة الكردية باتت مفخرة الإنسانية المتطلعة إلى الغد الواعد المشرق بفضل فلسفة حزب العمال الكردستاني.

تصريحات الدكتور صادق إطميش جاءت في حوار مطول مع وكالة أنباء هاوار بمناسبة الذكرى السنوية الأربعين لتأسيس حزب العمال الكردستاني، وفيما يلي نص الحوار الكامل:

1- ماذا يعني لكم ظهور حزب مثل حزب العمال الكردستاني والقائد عبدالله أوجلان في الشرق الأوسط ؟

ينشأ الحزب السياسي في أي مجتمع كانعكاس لحاجة تبرز في حياة مجموعة من منتسبي هذا المجتمع ليعبر عما يمكنه أن يكون مختلفاً لما جرى التعبير عنه سياسياً واقتصادياً وثقافياً في أوقات خلت من حياة المجتمع المعني. وكما يرافق أي نشوء عثرات الطفولة، ترافق هذه العثرات أيضاً مسيرة الحزب السياسي التي يتقرر تخطيها من عدمه عبر ثلاثة عوامل أساسية يتجلى أولها في محتوى الفكر الذي يوجه هذا الحزب، ويتمحور الثاني حول القيادة التي تعكس هذا الفكر، في حين يرتكز الثالث على ما تعكسه الجماهير المعنية انسجاماً مع ما تراه في هذا التوجه نظرياً وعملياً. وهنا تبرز جدلية النظرية والتطبيق التي تشكل البوصلة الأساسية لمجمل المسيرة.

إن ما أراه شخصياً في استخلاص جوهر هذه الجدلية قد تمثل بمسيرة حزب العمال الكوردستاني الذي تجاوز عثرات النشوء بكل ما رافقها من التجارب التي لم يكن من السهل تخطيها لولا توفر القيادة التي وعت مصالح جماهيرها فعملت على ربطها بأرض الواقع اليومي المُعاش كخطوة إلى الأمام في مسيرة المستقبل التي لا يمكنها أن تستمر إلا بمواصلة النهج الذي قام عليه أساسها.

2- ما هي أبرز النقاط التي لفتت انتباهكم في فلسفة القائد عبدالله أوجلان ؟

ʹحزب العمال الكوردستاني طور بوصلة توجه جديدة في مسارات الأحزاب السياسية اليسارية في الشرق الأوسطʹ

وحينما نؤكد هنا على دور القيادة فإن ذلك يعني مدى استجابتها للمتغيرات التي تفرزها المسيرة وتفاعلها مع ما يستجد من تنوع سواءً في مصالح الجماهير التي تتطور ضمن التراكمات الكمية وما ينتج عنها من تنوع في الحاجات اليومية على مختلف الأصعدة، أي ما ينتج من جديد على الصعيد المحلي، أو في مسيرة المحيط الإقليمي والدولي. هذه المتغيرات التي لا يمكن تجاهلها لضمان صحة المسيرة انطلاقاً من القناعة بفكرها المؤهل للتفاعل مع هذه المتغيرات سلباً وإيجاباً. وهذا ما تحقق فعلاً في مسيرة حزب العمال الكوردستاني الذي طور بوصلة توجه جديدة في مسارات الأحزاب السياسية، خاصة اليسارية منها، في منطقة الشرق الأوسط.

لا يمكن لأي مراقب منصف لمجريات السياسة اليومية في منطقة الشرق الأوسط وما تتأثر به من مجريات السياسة الدولية، إلا أن يسجل بعض السمات التي تشير إلى التجديد في هذه السياسة.

ʹحزب العمال الكوردستاني حرص على الحفاظ على بوصلة الفكر التقدمي تحت ظروف شديدة القسوةʹ

لا نستطيع القول إن أبرز مظاهر هذا التجديد تتجلى في تبني حزب العمال الكوردستاني للفكر الثوري المستند على نظرية علمية تقدمية وحسب، إذ أن مثل هذا التوجه تبلور في مسيرة أحزاب ثورية تقدمية يسارية كثيرة في المنطقة، بل ينبغي التأكيد هنا على أن حزب العمال الكوردستاني حرص على الحفاظ على بوصلة الفكر التقدمي تحت ظروف شديدة القسوة ارتبطت بكفاح مسلح مرير ومتواصل أمام أعداء شرسين تقودهم الشوفينية القومية والتخلف الفكري على حد سواء. وحينما نتكلم عن الشوفينية القومية والتخلف الفكري، فلا نعني بذلك ما تمثله بعض قوى القوميات الكبرى التي تقطعت أوصال كردستان على أراضيها بين العرب والفرس والأتراك فقط، بل إننا نعني بذلك أيضاً ذلك التوجه الشوفيني والنهج الفكري المتخلف عن ركب الحضارة الإنسانية الذي مثلته بعض الأحزاب الكردية أيضاً على كل مناطق كردستان شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً. وهذا ما جعل ثبات الموقف أمراً ليس بالمستطاع ضمانه على طول خط المسيرة التي عالجها حزب العمال الكردستاني بنجاح ينم عن ربط علمي بين حدود جدلية النظرية والتطبيق في العمل السياسي والعلاقات الجماهيرية، في محيط كردي نشطت فيه أحزاب برجوازية ذات توجه شوفيني رجعي في أكثر الأحيان.

3- كيف تقرأ نظرة أوجلان إلى موضوع الدولة القومية في الشرق الأوسط ؟

لم يكن الثبات على الموقف الفكري ومواصلة العمل السياسي على أساسه السمة الوحيدة التي ميَّزت حزب العمال الكردستاني عن بقية الأحزاب السياسية في المنطقة وحتى بعض اليسارية منها، بل إن تطور هذا الفكر بما ينسجم والحاجة الجماهيرية والظروف المحلية أولاً، وما يمكن تحقيقه ضمن مسار السياسة الدولية الواقعة تحت النفوذ الرأسمالي الاحتكاري ثانياً. ويتجلى هذا التطور على أسمى مظاهره وأذكى تعبيراته من خلال تقييم الدولة القومية التي صاغها فكر أوجلان ورفاقه في قيادة الحزب على شكل أطروحة ثورية ليس للشعب الكردي فقط، بل ويمكنها أن تكون النموذج الأفضل لكل الشعوب المناضلة لتحقيق الشعار الأممي المجيد في حق تقرير المصير. وفي هذه المرحلة من النضال في سبيل تحقيق المصير تبرز لدينا أهمية الحنكة السياسية للقائد السياسي الذي يعي سمات المرحلة التي يمر بها النضال في سبيل إيجاد الصيغة المناسبة والملائمة لسمة العصر والمؤدية إلى تحقيق المصير الذي لا ينبغي أن يُفهم على أنه صيغة واحدة لا بديل لها، والتي يفهمها الكثيرون على أنها صيغة الدولة المستقلة فقط دون سواها.

إن المتابع لنضال الشعب الكردي على كل أرض كردستان لا يمكنه أن يتجاهل التجربة الغنية التي اكتسبها هذا النضال في شمال كردستان، والتي أغنت، بما طرحته من مفاهيم جديدة في هذا الشأن، مبدأ حق تقرير المصير بثراء فكري يشكل ركناً أساسياً في نضال الشعوب في هذه المرحلة التاريخية التي يمر بها عالم العولمة اليوم. فحينما تعرض الشعب الكردي بعد الحرب العالمية الأولى إلى تقطيع أوصال أرضه بين خليفة الدولة العثمانية المتمثلة بالدولة التركية الكمالية وبين تلك الدول الجديدة التي أنشأتها معاهدة سايكس ـ بيكو، تبلور عن ذلك وجود أكبر شعب على وجه الكرة الأرضية لا دولة له.

ʹمشروع الشرق الأوسط الجديد الكونفدرالي الديمقراطيʹ

وعلى الرغم من هذا الحق الأممي للشعب الكردي، ولكل الشعوب المناضلة في سبيله، فإن التوجه التقدمي الحديث الذي أطلقه زعيم الشعب الكردي وقائد ثورته عبد الله أوجلان يسير باتجاه النضال لتحقيق الإدارة الذاتية ضمن المجتمعات التي يعيش معها الشعب الكردي. وهذا ما تشير إليه مؤلفاته القيمة خاصة ذلك الطرح العلمي الرائع حول الدولة القومية في كتابه الموسوم “مانفيستو المجتمع الديمقراطي” والذي بين فيه بكل وضوح بأن ذلك ينفي نظرية الفكر البرجوازي التي تسير باتجاه التنكر للآخر والانعزال عنه، ويؤكد في نفس الوقت على شعوب الشرق الأوسط بمختلف مكوناتها والتي يراها مؤهلة لتبني مشروع الشرق الأوسط الجديد الكونفدرالي الديمقراطي، وهذا بالتأكيد على العكس تماماً مما تريده الاحتكارات الاستعمارية بقيادة الإدارة الأمريكية من مشروعها الذي أعلنت عنه تحت اسم مشروع الشرق الأوسط الجديد.

واستناداً إلى هذا الفكر الذي تمثله الحركة الثورية الكردية وانطلاقاً من إيمانها بالكونفدرالية الديمقراطية التي تسعى قوى الثورة الكردية إلى تحقيقها في غرب كردستان، ينبغي على القوى المناهضة لهذا التوجه أن تراجع مواقفها من الثورة الكردية وتوجهاتها الديمقراطية التي ستصب ليس لصالح تيار الحركة الوطنية الكردية فحسب، بل ولصالح كل التيار الديمقراطي في المنطقة برمتها، وأن يتوجه هؤلاء إلى الوقوف في وجه قوى الشر التي تريد أن تؤسس لدول دينية على مقاساتها الخاصة أو لدولة قومية شوفينية عربية كانت أو تركية أو فارسية، مثل هذه الدول التي تبتعد أفكارها المتخلفة عن مسيرة البشرية في قرنها الحادي والعشرين.

4- بعض الأطراف تقرأ أفكار أوجلان مثل مسألة (الأمة الديمقراطية) على أنها ضرب من الطوباوية، ما تعليقكم على ذلك ؟

من الطبيعي ليس من السهل تقبل هذا الطرح من قِبل بعض القوى التي ما تزال تراهن على الانتماءات الضيقة حزبياً أو عشائرياً أو مناطقياً بكل ما تفرزه هذه الانتماءات من تخلف فكري يجد صداه في التمحور القومي الشوفيني أو الاصطفافات الدينية التي طالما تؤسس لثقافة الجهل والانعزال عن ركب الحضارة الساعية نحو الدولة المدنية الديمقراطية التي لا يمكن لغير توجهها العلماني أن ينقذ الشعوب المُضطَهَدة من براثن التعفن البرجوازي وتحالفاته مع القوى المستغِلة للإنسان وكل ما يمتلكه من طاقات يمكنه التوجه من خلالها نحو التضامن الأممي والمجتمع الديمقراطي. والشعب الكردي على كل أوصاله المقطعة قسراً لم ينجُ من هذه الانتماءات التي لعبت أدواراً انتهازية تنم عن طبيعة الطبقة القائدة لهذه الانتماءات والتي طالما أوقعت نضال الشعب الكردي في متاهات العجز البرجوازي عن التصدي لما تعانيه الجماهير المغلوبة على أمرها تحت طائل هذه القيادات.

ومن الطبيعي أيضاً أن تشكل طروحات حزب العمال الكوردستاني حول المجتمع الديمقراطي هاجس خوف واضطراب يؤدي إلى زعزعة الأساس الفكري الذي تراهن الطبقات الحاكمة على استمراره وبالتالي استمرارها في اضطهاد الشعوب. وهكذا نرى المواقف المُضَلِّلَة التي انتهجتها الأحزاب البرجوازية الكردية للنيل من التوجه الديمقراطي للشعب الكردي الذي بدأت أنواره تسطع على ربوع غرب كوردستان التي تشكل إدارتها الذاتية هاجس قلق مرعب لهذه الأحزاب. إن مثل هذا التطور الذي لم يعد خيالاً بعد ما حققه النضال الذي خاضه حزب العمال الكوردستاني سيشكل البوصلة الرئيسية في المسيرة الظافرة التي يحققها هذا الحزب لكل كوردستان، إذ لا يصح إلا الصحيح مع المسيرة الأممية الظافرة نحو السلام العالمي والعدل الاجتماعي والرفاه الجماهيري.

5- برأيكم ما هي التغييرات التي جرت في المجتمع الكردي والشرق أوسطي بعد ظهور حزب العمال الكردستاني وأوجلان ؟

حينما نتطلع إلى أساليب النضال الثوري التي تخوضها حركة التحرر الكردية بقيادة حزب العمال الكوردستاني فإننا نسجل هنا وبأكبر الحروف التي تبعث على الفخر لمشاركة المرأة في هذا النضال مشاركة كسرت طوق التقوقع البالي الذي فرضته مقومات أوضاع زال وجودها منذ قرون عديدة من الزمن. لقد خرجت المرأة الكردية بالأمس وتخرج اليوم وستخرج غداً لتري العالم كله ما يجود به نضالها من بطولات وتضحيات تجعل مَن يستهين بقدرة المرأة بشكل عام والمرأة الكردية هنا على وجه التخصيص، فقاعات متطايرة في مهب رياح النضال التحرري الذي لم تشارك به المرأة جنباً إلى جنب مع أخيها ورفيقها وزوجها وصديقها فقط، بل وقادته أيضاً من خلال التخطيط والتنفيذ لعمليات قتالية بطولية جعلت العالم كله، حتى أعداء الكرد والحاقدين على ثورتهم التحررية على كل أراضي كردستان شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، ينظرون إلى هذه المرأة بعين أوسع عشرات المرات من تلك العيون التي تداري خجلها وبؤسها وهي تنظر إلى الوجوه الحاقدة على المرأة وكل ما يرتسم عليها من أكاذيب وهرطقات وما تخبئ وراء تجاعيدها من تخلف فكري وانحطاط اجتماعي.

المرأة الكردية هي مفخرة الإنسانية المتطلعة إلى الغد الواعد المشرق

المرأة الكردية التي سجلت في كوباني مثلاً، أو على كل أرض كوردستان بالأمس، وما ستسجله من مفاخر وبطولات غداً، هي مفخرة الإنسانية المتطلعة إلى الغد الواعد المشرق بأنوار التحرر والتضامن الأممي والفكر الثوري الذي جعل من هذه المرأة أهزوجة التاريخ في القرن الحادي والعشرين هذا. المرأة الكردية التي يتغنى العالم اليوم ببطولاتها وتضحياتها ومساهماتها في الدفاع عن أرضها أبطلت الأطروحات الزائفة القائلة بدونية المرأة والانتقاص من وجودها في المجتمع.

المرأة الكردية التي أنجزت ملاحم كوباني النسائية البطولية، فسجلت بذلك أروع وأسمى ما حققته البشرية التقدمية في نضالها التحرري الأممي. فأكملت كوباني بنسائها ورجالها ملاحم ستالينغراد وامتدت لتعانق كومونة باريس وانتصارات الفيتكونغ. ولا غرابة في ذلك إذا ما ارتبط مثل هذا النضال بالفكر النيِّر والتوجه الوطني العميق الجذور والانتماء القومي الإنساني والاصطفاف الأممي التقدمي الذي يتبناه حزب العمال الكوردستاني.

6- يقال إنه ليس للكردي إلا الجبال، هل تعتقد أن هذه المقولة صحيحة بوجود حزب العمال الكردستاني ؟

لا أشك بانتصار الشعوب في نضالها من أجل حقوقها المغتصبة، خاصة فيما يتعلق بالحق الأممي بتحقيق المصير والحياة الحرة في مجتمع السلم والعدالة. ولا أشك بقدرة الشعب الكردي المناضل على مواصلة التحدي الكبير الذي يواجهه داخلياً وخارجياً والخروج بكل ما يستحقه هذا الشعب من حياة حرة كريمة على كل أرض كردستان. ولا أشك باستمرارية تبني حزب العمال الكوردستاني قيادة هذا الشعب رافعاً راية التضامن الأممي والفكر التقدمي النير، ومواصلة المسيرة الظافرة مع شعوب الأرض كافة نحو المجتمع الديمقراطي العابر لكل المسميات القومية الشوفينية والمذهبية الدينية المتخلفة والاضطهاد الطبقي المقيت.

ليظل تقدميو العالم يشاركون حزب العمال الكوردستاني منابر احتفالاته وانتصاراته في ساحات النضال التحرري من أجل عالم الحرية والعدالة الاجتماعية .

ANHA