الاتصال | من نحن
ANHA

رصد من الجبهات الخلفية لغضب الفرات-2

ملف

مركز الأخبار – يلاحظ حماس، وترقب، وتحركات الأطفال والنساء، والشيوخ، الشباب في الجبهات الخلفية لحملة غضب الفرات، ففي المناطق التي تم تحريرها، وتنظيفها من الألغام ومخلفات مرتزقة داعش، تعود الحياة مرة أخرى، إلى جانب خطو خطوات من الناحية السياسية والاجتماعية في تلك المناطق.

الرقة

بدون شك حملة غضب الفرات ليست لتحرير المناطق التي يحتلها مرتزقة داعش فحسب، فالتحرير هي العمود الأساسي للحملة، حيث تم تحرير المئات من القرى والمزارع في المنطقة من مرتزقة داعش إلى الآن، ويتقدم مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية التي تضم كافة مكونات المنطقة خطوة تلو الأخرى نحو مدينة الرقة، ولهذا أعين العالم بأسره تترقب هذه الحملة وهذه المنطقة، ولكن هناك عمود أخر لهذه الحملة لم تتم رؤيته إلى الآن، آلا وهي الحياة الجديدة بعد التحرير، ومن الممكن ان يكون الجانب الأكثر ملفتاً للانتباه هو هذا العمود.

كافة المراقبين العسكريين والسياسيين والاجتماعيين يقولون بأن هذه الحملة ستفتح صفحة جديدة في المنطقة، وستوضح معالم مشروع سوريا، ولكن كيف سيتم فتح هذه الصفحة؟، أو كيف تفتح؟، في الجهات الخلفية للحملة يتضح الجواب على هذا السؤوال.

لغة الجسد

عندما توجهنا إلى المناطق المحررة من أجل رصد الأوضاع، وجدنا أجوبة على الكثير من الأسئلة، ولم يبقى داعي للسؤال أو اخذ الآراء في الكثير من المسائل والمواضيع، فمنذ الوصول إلى المنطقة ما بين مقاطعة كوباني والرقة كان هناك جو مختلف، ففي قرى محمودية، سويدية، بير سانا، التي شهدت اشتباكات عنيفة، كان هناك حماس وفرح يخيم على الجميع من الأطفال وصولاً للشيوخ في المنطقة، وكل من يشاهد عربة أو سيارة تابعة لقوات سوريا الديمقراطية يقترب منها يسير بيده إلى إشارة النصر، وعندما شاهدوا سيارتنا وكاميراتنا بدئوا بالحديث عن سعادتهم وفرحهم بالتحرير، كان بادياً في أعينهم وعلى وجوههم وتحركاته الأمل والسعادة بالحرية، والأكثر من ذلك هو انهم تحرروا من وحشية المرتزقة، ويتحركون بحرية، أحد المواطنين كان يشعل سيجارته قال “هذه من أجل داعش….”، وأحدى الأمهات كانت تقول “دخن، فقد عانينا الكثير من أولئك، ليعلم الجميع ذلك”، كما لوح راعي كان يرعى ماشيته بإشارة النصر لنا عندما ممرنا بالقرب منه.

كلمة “هفال” أي رفيق باتت هوية

معظم سكان تلك المنطقة من المكون العربي، وكان يتحدثون الكثير بلغتهم، ولكن لم نكن نعرف اللغة العربية، ولكن ببضع كلمات تعلمناها والحماس الذي كان بادي على وجههم، كنا نفهم كل ما يقولون، وظهرت كلمة واحدة مشتركة بين كافة سكان المنطقة، وهي كلمة “هفال” أي رفيق، هذه الكلمة باتت كلمة مقدسة وهوية في المنطقة، فبهذه الكلمة يعبرون عن المساواة، المساعدة، التعاون، الحرية، والحياة، أي انها باتت كلمة دولية، وخرجت هذه كلمة على انها عائدة للغة معنية، ومن الممكن ان الكثير منهم لا يعرفون معنى هذه الكلمة، ولكنهم يرسخون معنى هذه الكلمة، “أهلاً هفال، على الرحب والسعى هفال، نحن مبسوطين، نحن أخوة”، هذه الجمل كانوا يرددونها باللغة العربية.

بداية الأمن والحماية

الموضوع الثاني الذي لفت انتباهنا كان الحماية والأمن، لنترك التاريخ فأهالي هذه المنطقة خلال الـ 5 أعوام الماضية عانوا الكثير، فقد كانت مناطقهم محتلة من قبل جماعات المرتزقة كجبهة النصرة، وداعش، وهؤلاء المرتزقة كان يمارسون ضغوطاتهم وسياساتهم على هذا الشعب، ولهذا لم يعد لأهالي المنطقة ثقة بأن أي قوة خارجية ستحميهم، ولهذا يترسخ المثل القديم “مصيبة أفضل من ألف نصيحة” في تلك المنطقة، ولكن أهالي هذه المناطق لم يتعرضوا لمصيبة واحدة، بل عاشوا المئات من المصائب، هذه التجارب الأليمة التي عاشوا جعلتهم يختارون طريقهم بأنفسهم، فبعد تحرير مناطقهم بدأ أهالي المنطقة بتشكيل لجان حماية لهم، ومن جهة يحرسون قراهم ومناطقهم، ومن جهة أخرى يلتحقون بصفوف قوات سوريا الديمقراطية، وليس هناك حصيلة مؤكدة، ولكن خلال أشهر حملة غضب الفرات  الـ 6 التحق الآلاف من  الشبيبة العرب، التركمان والكرد إلى صفوف ق س د، بالإضافة إلى ذلك تم تشكيل قوات الأمن الداخلي من شبيبة المنطقة، وهم يحمون ويحرسون القرى، وهناك الكثير من نقاط التفتيش، ونقل المدنيين وتقديم المساعدات تدار من قبل هذه القوات، وفي نقاط التفتيش يتم استقبال السيارات والعربات بلغة متواضعة ولباقة كـ “أهلاً هفال، عفواً هفال”، ويشرحون للأهالي والمارين ضرورة عملهم، ويودون القول بأن هذا العمل هو مهم لحمايتهم وامنهم.

التقاسم والتعاون   

الجانب الحياتي والاجتماعي من النقاط الأخرى الملفتة للانتباه، فبسبب وضع الحرب تظهر مشاكل حياتية، وهذا يعد من المواضيع الأساسية، كما انها ادت إلى انشاء حياة جوهرية في الوقت ذاته، وفي هذا السياق لا يثق الشعب بأي قوة، ورأيهم أن القوى الخارجية لا يهمها سوى مصالحها الشخصية، وعندما يأتي اليوم سيتركونهم لوحدهم مرة أخرى، ولهذا هم اسسوا نظامهم الاجتماعي الخاص بهم، فعبد تشكل مجلس رقة المدني، سلمت قوات سوريا الديمقراطية زمام الأمور كالإدارة والتنظيم إلى الجلس.

وبأشراف مجلس رقة المدني بدأ تنظم فعاليات توزيع المساعدات من ماء، خبز، والمتطلبات الحياتية في كافة قرى المنطقة، كما شكلت الكومينات في القرى، وعن طريق الكومينات يتم إعادة الأهالي إلى ديارهم، وترميم المنازل المدمرة، وتأمين المتطلبات، بشكل منظم عن طريق التقاسم، والتعاون، كما ان اعضاء الكومين شكلوا حواجز على الطرق المؤدية إلى جبهات المعارك، ويقدمون المساعدات للنازحين حسب امكاناتهم، والملفت هنا ان الكرد، العرب، التركمان، والجاجان، يشكلون نظام حياتهم بشكل مشترك.

منبج بات مثالاً بالنسبة لهم

بدون شك امكاناتهم ضعيفة نسبياً لبناء نظام، وتلبية متطلبات واحتياجات الأهالي، ولهذا هم بحاجة إلى مساعدة وتعاون، ولكن في الوقت ذاته هناك أساس قوي لبناء مشروع ذاتي، ومن خلال نقاشاتنا ومحادثاتنا مع المواطنين كشفت عدم صحة وفشل ادعاءات وتهم القوى المعادية للنظام الديمقراطي وفدرالية شمال سوريا، والرأي المشترك لأهالي المنطقة هي انهم للمرة الأولى تسنح لهم الفرصة في إدارة انفسهم وتنظيم مجتمعهم، وتجربة منبج والنظام التي اسس فيها، تعد مثلاً يحذى به بالنسبة لهم، وفي هذا السياق قال المواطن عبد العزيز جاسم وهو من أهالي قرية صفصافة “لغة المحبة لا تترك الحاجة للترجمة، وخاصة بأنه يمكننا العيش مع بعضنا البعض ضمن نظام ديمقراطي، لقد تعلمنا الكثير من تجربة منبج، وانا اعتقد بأن مثال منبج يكفينا”.

المرأة تعود إلى الحياة

ما زالت النساء اللواتي يقفن أمام شرفات المنازل، وعلى أطراف الطرقات، أو تحت الخيم، وينشغلون بأطفالهن، أن يغسلن الأطباق، أو يجلبن المياه، أو يرعن الماشية، لم يتخلصن من الخوف الذي زرعه مرتزقة داعش في قلبهن، ولكنهم مع هذا يفصحون عن حماسهن ولو بخجل، وبدون ان يشعروا بأننا احسسن بهن، أو ننظر لهن، كان يتضح بأنهن راغبات في الحديث عن الكثير من المواضيع، وعندما تتولد لديهم القليل من الجرأة، لا يتركون مجال الحديث للرجال، وعند أخذ موقع المرأة في المجتمع العربي بعين الاعتبار، يكون هذا الوضع بمثابة النصر، وحتى ولو كان عن طريق المداعبة الرجال يقولون “الآن المرأة هي السلطة”، وشاهدنا بأعيننا مثلاً على ذلك، عندما أردنا تصوير عائلة، تم اخذ الأذن من النساء، والشيء الأخر الملفت، هو نشر الألبسة الملونة للنساء عند شرفات المنازل، بدلاً من اللون الأسود الذي كان مرتزقة داعش يفرضونه، وهذا يدل على التحرر.

يطالبون بالتدريب

إلى جانب بناء نظام الحماية والتنظيم، يتطور طلبات الشعب، والملفت ان أكثر الطلبات كان بخصوص التدريب، فالمواطنين يودون ان يتم بناء نظام تدريب في أقرب وقت بالمنطقة، وان يتم تجهيز المدراس من أجل العام الدراسي الجديد، وأشار احد المواطنين الذي كان يعمل كمعلم في السابق بأن أكبر تخريب ودمار يلحق بالشعب هو ان يترك جاهلاً.

غداً: الطبقة والخطوات الجديدة

ANHA