الاتصال | من نحن
ANHA

دور حي الشيخ مقصود وحلب من ثورة 19 تموز

ملف

المدينة التي صارعت عليها جميع القوى في سوريا

سليمان أحمد – سوزدار وقاص

حلب – تعد مدينة حلب الواقعة في الشمال السوري واحدة من أقدم وأعرق المدن في العالم، وعثر في قلعة حلب على آثار معبد يعود تاريخه للألفية الثالثة قبل الميلاد، لذا كانت المدينة ساحة لصراع جميع القوى الغربية والإقليمية لتدفع المدينة الفاتورة الأكبر من الأزمة السورية، إلى ذلك محافظة الكرد على حيّهم وأخذوا من حق الدفاع المشروع طريقاً لهم.

تعد مدينة حلب الواقعة في الشمال السوري واحدة من أقدم وأعرق المدن في العالم، فقد ورد ذكرها في المخطوطات المصرية التي يعود تاريخها الى القرن العشرين قبل الميلاد، وعثر في قلعة حلب على آثار معبد يعود تاريخه للألفية الثالثة قبل الميلاد

أثرت حلب سياسياً واقتصادياً في القرن الثامن عشر قبل الميلاد بوصفها عاصمة لمملكة يمحاض حتى سقوطها على أيدي الحثيين، بعد ذلك، أصبحت مدينة مهمة في العصر الهيليني ونقطة تجارية رئيسية للتجار المتجهين من البحر المتوسط إلى الأراضي الواقعة إلى الشرق، وتم استيعابها لاحقاً من قبل الإمبراطورية الرومانية، ثم أثرت بوصفها مركزاً للقوافل التجارية تحت الحكم البيزنطي.

في عام 636 ميلادي، سيطر عليها العرب المسلمون، وبعد نحو 80 عاماً وخلال فترة حكم الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك تم تشييد جامعها الكبير، وفي القرن العاشر الميلادي، أصبحت حلب عاصمة للدولة الحمدانية، أعقبت ذلك فترة اتسمت بالفوضى والحروب تصارع فيها البيزنطيون والصليبيون والفاطميون والسلاجقة للسيطرة على المدينة والمناطق المجاورة لها.

القرن الثالث عشر وتحت حكم الأيوبيين تمتعت المدينة بعهد من الثراء الكبير والتوسع، ولكن ذلك العهد انتهى فجأة في عام 1260، عندما غزاها المغول، وعانت المدينة من وباء الطاعون عام 1348 ومن هجوم مدمر قاده تيمورلنك عام 1400 ميلادي، وفي عام 1516، أصبحت حلب جزءاً من الامبراطورية العثمانية، وأصبحت مركزاً لولاية حملت اسمها وبرزت كمركز للنشاط التجاري بين الشرق وأوروبا.

ولكن دور حلب كوسيط تجاري انحصر في أواخر القرن الثامن عشر، وانحصر أكثر عندما رسمت بريطانيا وفرنسا حدود الدولة السورية الحديثة التي عزلت المدينة عن جنوبي تركيا وشمالي العراق علاوة على خسارة ميناء الإسكندرون لتركيا في عام 1939، وعقب استقلال سوريا، تطورت حلب لتصبح مركزاً صناعياً مهماً ومنافسة للعاصمة دمشق، وزاد عدد سكانها بشكل كبير من 300 ألف نسمة إلى حوالي 2,3 مليون نسمة بحلول عام 2005.

يشكل المسلمون السنة أغلبية سكان حلب، معظمهم عرب، كرد والتركمان، كما تسكن المدينة أكبر جالية مسيحية في سوريا بمن فيهم العديد من الأرمن إضافة إلى الطائفة الشيعية والعلوية.

وفي انقلاب عام 1963 في سوريا أو ما يعرف بثورة الثامن من آذار صعد حزب البعث الاشتراكي إلى الحكم، وبتطبيق الحزام العربي تجاه الكرد بدأت سياسة الحرب الخاصة، الهجرة من الريف إلى المدينة، حيث نزح الكرد من مناطق مقاطعة عفرين، كوباني ومناطق الشهباء إلى حلب بحثاً عن مقومات العيش في ظل عدم توفرها في الريف.

يقطن الكرد في الأحياء التالية من مدينة’’ الأشرفية، الشيخ مقصود (غربي، الشرقي والمعروف)، السريان، بعيدين، الهلك، حيدرية، بستان الباشا، السكن الشبابي’’ ناهيك عن تواجد الكرد بأعداد قليلة في الأحياء الأخرى من المدينة.

في السنة الأولى من الانتفاضة ضد النظام، لم تشهد حلب أياً من الاحتجاجات الذي هزّ غيرها من المدن والبلدات، ولكنها أصبحت فجأة في عام 2012 ساحة قتال رئيسية عندما شنت المرتزقة هجوماً على قوات النظام من المناطق الشمالية، لكن هجوم المرتزقة لم يكن حاسماً، مما ترك حلب مقسمة بين مناطق يسيطر عليها المرتزقة وأخرى تحت سيطرة النظام، وكان طرفا النزاع يتبادلان السيطرة على بعض المناطق بشكل شبه يومي.

وفي أواسط تموز/ يوليو 2012 حقق خلالها المرتزقة نجاحات سريعة على حساب النظام وسيطروا على عدد من الأحياء في شمال شرقي المدينة وجنوبها وغربها، ومنذ أواخر عام 2013، كثفت قوات النظام وبدعم من المليشيات الموالية لها قصفها الجوي للمناطق التي يسيطر عليها المرتزقة مما أوقع آلاف الضحايا.

وحاولت المجموعات المرتزقة المدعومة من حزب العدالة والتنمية مراراُ السيطرة على المدينة لكن محاولاتهم باءت بالفشل، وفي تشرين الثاني 2016 بدأت قوات النظام السوري وحلفاؤه عمليتهم العسكرية النهائية باتجاه أحياء شرق حلب وبعد أن باعتهم حزب العدالة والتنمية، لتتمكن قوات النظام السيطرة على الأحياء الخاضعة لسيطرة المرتزقة.

دور الكرد في حلب

يعتبر حي الشيخ مقصود في المدنية من أكثر الأحياء تواجداً للكرد لذا كان مقصداً لجميع الأحزاب والحركات الكردية والنشطاء السياسيين، الأجهزة الأمنية لم يفارقوا الحي أبداً مع ذلك كان نشاط الحركة السياسية مستمراً بسرية تامة بداخلها، بل النظام عجز عن سر النشاط السياسي فيها.

ويتربع الحي على قمة تلّ يشرف على معظم أحياء مدينة حلب، ويلاصقه حيّ الأشرفية من الناحية الغربية وتبلغ مساحة المنطقة المغطاة بالأبنية السكنية حيث أن  نحو 800 ألف شخص كان يقطن حييّ الأشرفية والشيخ مقصود سنة 2010، معظمهم من الكرد، إضافةً لنسبة قليلة من العرب والتركمان والأرمن.

ونتيجة تواجد الكرد بشكل غفير في حي شيخ مقصود كان مركزاً للتظاهرات والمسيرات المناهضة للنظام السوري قبل وبعد الثورة، إلا أن النظام السوري كان يشن حمالات اعتقالات واسعة في كل سنة، انضم المئات من شبانها في أوائل الثمانيات إلى حركة حرية كردستان ولعل المناضل الأممي عزيز عرب كان من أوائل المنضمين.

وخرجت أول مظاهرة مناهضة للنظام البعثي في 15 شباط 2001م، ناهيك عن المناسبات والأعياد القومية للكرد التي كانت تقام في الحي، انتفاضة 2004م التي اندلعت في مدينة قامشلو لم يقف أهل الحي مكتوفي الأيدي وقتها انتفض الحي في وجه النظام البعثي، حينذاك فقد عدد من المدنيين حياتهم وجرح آخرون في مواجهات دارت بين النظام وأهالي الحي ناهيك عن اعتقال المئات من الشبان الكرد.

قوة وإصرار الحي على المقاومة لم تقف يوماً، بل تابع الحي مسيرته النضالية لتحقيق أهدافه تجاه قضيته، ومع اندلاع الأزمة في سوريا كان للحي طابع آخر عن باقي المدن السورية كون الأرضية مهيأة لولادة ثورة، وخرجت أول تظاهرة في ظل الأزمة السورية 2011م التي جوبهت بقمع من الأجهزة الأمنية.

انتهاج حق الدفاع المشروع للحماية

لم يأخذ الحي الطابع الذي سلكته باقي المدن السورية، لعل ثورة 19 تموز 2012م التي تُعرف لدى أبناء الشمال السوري بثورة روج آفا، لينطلق الحي بتحرير نفسه من النظام بعد أن تم تحرير بعض الدوائر الأمنية من النظام في مقاطعة كوباني وعفرين.

وبعد سلسلة التجاوزات القمعية للنظام والمرتزقة كان لا بد للحي أن يحمي نفسه، ويقول عبد الله أوجلان خلال مرافعته بعنوان “الدفاع عن الشعب” في الحقيقة لا يوجد في الطبيعة أي كائن حي بدون حماية ذاتية، فكل كائن حي يقوم بحماية وجوده وذلك عن طريق ردود الأفعال الذي يتخذها بهدف حماية نفسه، ومن بين الكائنات الحية الموجودة يعد الإنسان أكثر الكائنات الحية التي يقوم بحماية وجوده بمعرفة ووعي، وتاريخ تطوير الحماية الذاتية يشكل جانبا من تاريخ الإنسانية.

وتستند الحماية الذاتية على أساس المجتمع المنظم، المجتمع المنظم هو المجتمع الذي يقوم بحماية وجوده في أعلى المستويات، يجب أن يتوفر نظام الحماية الذاتية في كافة المجتمعات”.

من هذا المبدأ والفلسفة الذي رسمه عبد الله أوجلان للشعب سارع أهالي الحي إلى الحماية الذاتية لحماية نفسهم من أي هجوم طارئ، بدأ الأهالي في الحي بحماية ذاتهم بالتدريب على كيفية استخدام السلاح على شكل مجموعات صغيرة، للوقوف بجانب قوات التي تحمي الحي، وبعد أن تعلموا أكثر من 50% من مجمل أهالي الحي تم تشكيل كتائب لحماية الحي ليتم الإعلان عن وحدات حماية الشعب والمرأة.

بعيداً إلى السلاح أيضاً بدأ أهالي الحي بتنظيم  أنفسهم في المؤسسات والمجالس التي كانت تتشكل من قبل حركة المجتمع الديمقراطي ومؤتمر ستار، ليس فقط في حي الشيخ مقصود بل في عموم المناطق في الشمال السوري كونها تتمتع بالغالبية الكردية.

وافتتح أول مركز في الحي في أيلول 2011م وهو مركز حركة الثقافة والفن تحت اسم’’ مركز جميل هورو لثقافة والفن’’ تخليداً لروح الفنان الذي أغنى أوساط الفن الكردي في عموم كردستان وكون الراحل افتتح أول مقهى في أوائل الثمانيات من القرن الماضي الذي كان مركزاً لنشطاء السياسيين والفنانين الكرد  آنذاك.

(ش)