الاتصال | من نحن

جوبان بيه وهاتاي، التاريخ يعيد نفسه

تيراست جودي

عفرين – تحاول الدولة التركية إعادة التجربة التاريخية للواء اسكندورن التي ضمتها لأراضيها، فمساعيها الحثيثة في مناطق الشهباء ما هي الا احتلال عثماني جديد ومحاولة لضم تلك المناطق ضمن اتفاق روسي، تركي غير معلن.

يطلق على منطقة الممتدة من خليجي السويدية واسكندرونة في الشمال والغرب السوري وحتى غابات كسب التابعة لمحافظة اللاذقية اسم “لواء اسكندرون” او هاتاي بالتسمية التركية.

تبلغ مساحة تلك المنطقة 4800 كيلو متر مربع وتعود جذوره التاريخية الى ممالك الكنعانيين والفينيقيين حيث بنى انتيغو وهو احد كبار الضباط في جيش الاسكندر المقدوني مدينة الاسكندرونة 317 قبل الميلاد بعد وفاة الاسكندر بستة سنوات.

وهي منطقة متنوعة اثنيا وعرقيا عبر التاريخ كونها كانت ميناء بحري هام على ساحل البحر المتوسط ما أدى لتنوع ثقافاتها وشعوبها بحكم حركة التجارة علاوة على اعتبارها مركزا دينيا هاما بعد انتشار الديانة المسيحية.

شهدت منطقة الاسكندرونة ومدنها الرئيسية “أنطاكية، اسكندرونة، أوردو، الريحانية، السويدية، أرسوز” حروب وغزوات على مر التاريخ الا انها ظلت محتفظة بهويتها الأممية، حتى بداية الحرب العالمية الثانية بالتزامن مع ظهور الدول القومية في الشرق الأوسط.

اعتبرت منطقة الاسكندرونة جزءا من أراضي الدولة السورية في الفترة الممتدة بين عامي 1918-1938 الا ان تم الحاقها بالدولة التركية عام 1939 من قبل السلطات الفرنسية التي كانت تنتدب سوريا آنذاك وفق اتفاق معلن بين فرنسا وتركيا واخر غير معلن بين الطرفين والسلطات السورية الحاكمة وقتها.

عملت الدولة التركية على تغيير ديمغرافية تلك المنطقة ومحو هويتها الثقافية والاثنية من خلال تهجير السكان الأصليين من الكرد والعرب والارمن بالإضافة لبعض الأقليات الأخرى وتوطين الاتراك بدلا منهم متبعة بذلك سياسة التتريك التي فضت الى افراغ اللواء من سكانه الأصليين وصهر من تبقى منهم.

حاليا تعرف منطقة لواء اسكندرونة بـ هاتاي وكان اتفاق اضنة 1998 اخر الاتفاقيات المتعلقة باللواء حيث تم التنازل بشكل رسمي عنه من قبل النظام السوري لصالح الدولة التركية ضمن اتفاقية أعلنت بعض بنودها فيما بقيت الأخرى سرية.

مع انطلاق الازمة السورية بدأت تركيا بالاستعداد للتدخل عسكريا في سوريا وهو ما ظهر جليا في احد التقارير التي نشرتها صحيفية توداي زمان التركية التي تصدر باللغة الانكليزية في 9 نسيان /ابريل 2012 اشارت فيها الى ان سوريا انتهكت بنود اتفاقية اضنة ما يفسح المجال امام الجيش التركي بالتدخل المباشر في سوريا.

بعد 100 سنة من طردهم وانهاء الاحتلال العثماني لسوريا عاد الاتراك الى الشمال السوري مجددا بنية إعادة امجاد اجدادهم العثمانيين واحتلال أجزاء من الشمال السوري في محاولة لتكرار التجربة التاريخية التي افضت لسلخ لواء الاسكندرونة عن سوريا وضمه للدولة التركية.

ومثلما اعتاد رئيس حزب العدالة والتنمية التركي رجب طيب اردوغان على اظهار نفسه انه خليفة السلاطين العثمانيين وسليلهم الأخير في القرن الواحد والعشرين اختار تاريخ 24 آب / أغسطس بدء غزوه او (فتوحاته بالتسمية العثمانية المعاصرة في محاولة لتشريع الاحتلال التركي) على سوريا.

24 آب / أغسطس 1516 دخل السلطان العثماني الى الأراضي السورية غازيا بعد معركة مرج دابق التي فتحت الطريق امامه الى دمشق والمنطقة برمتها، في 24 آب / أغسطس 2016 دخل الجيش التركي الى الأراضي السورية في الذكرى السنوية لمعركة مرج دابق تحت مسمى عملية درع الفرات.

دخل الجيش التركي والمرتزقة الموالين لهم من قوات الائتلاف السوري الذي تم استقدامهم من الداخل السوري الى الحدود التركية الى الأراضي السورية بحجة محاربة داعش بعد عدة تقارير تثبت تورط تركيا ودعم وامداد مرتزقة داعش (ما اثار التساؤل كيف تحارب تركيا داعش وهي التي اوجدته ودعمته).

بعد الدخول الى جرابلس انضم مرتزقة داعش الى الجيش التركي (إخوانهم الاتراك) وسلموهم المدينة دون أي قتال لتستمر عمليات التسليم حتى شملت عشرات المدن والبلدات السورية ومن ضمنها الراعي التي تم تتريك اسمها الى جوبان بيه.

غدت قرى وبلدات الشمال السوري التي تسيطر عليها قوات الاحتلال التركي الان في بوتقة الصهر التركي على اعتبارها الان مستعمرات تركية على طريق ضمها بشكل رسمي الى الدولة التركية ضمن اتفاق روسي تركي غير معلن.

فالمرافق العامة والمنشآت التعليمية تم رفع العلم التركي فوقها وتغيير أسماء القرى والبلدات وإعادة كتابتها باللغة التركية علاوة على السكان الذين تم استقدامهم كمرتزقة للمشاركة في عملية درع الفرات بعد ان تم تهجير سكانها الأصليين من تركيا وغيرها من المناطق السورية التي تم تسليمها للنظام السوري كداريا والمعضمية.

الصمت التركي على ما يحدث في الاحياء الشرقية لمدينة حلب والتصريحات التي تمخضت عن اجتماع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو، ماهي الا دليل واضح على صفقة بين الطرفين حول تسليم احياء حلب الشرقية لحلفاء روسيا مقابل السماح لتركيا باحتلال مناطق الشهباء وضمها الى جغرافية الدولة التركية على شاكلة ما حدث في لواء اسكندرون.

السؤال الذي يطرح نفسه هل سيكرر التاريخ نفسه وهل ستسلَم روسيا الشمال السوري مقابل صفقات ربما عقدتها حتى دون علم النظام، ام ان للقوى الثورية من أبناء وبنات مناطق الشهباء كلمة أخرى؟.

(م)

ANHA