الاتصال | من نحن
ANHA

جنيف يفشل والفدرالية تترسخ

تحليل

حسن رمو

مركز الأخبار – حقق الشمال السوري يوم أمس تطوراً جديداً على صعيد حل الأزمة السورية عبر ترسيخ النظام الفدرالي، فيما فشل المجتمعون في جنيف وللمرة الثامنة على التوالي في الاتفاق ولو على موضوع واحد فيما يخص الأزمة السورية التي حصدت أرواح مئات الآلاف من السوريين.

في الوقت الذي كانت تعول فيه العديد من الأطراف الإقليمية والدولية على تحقيق تقدم في الجولة الثامنة من ماراثون جنيف الخاص بالأزمة السورية والوصول إلى نتيجة يتقبل فيها كلٌ من وفدي النظام السوري ومجموعات المعارضة المرتبطة بالقوى الإقليمية والدولية وفي المقدمة تركيا بعضهما البعض، أجريت الجولة الثانية من انتخابات الفدرالية الديمقراطية في شمال سوريا.

إذا عدنا قليلاً للوراء سنرى أن مكونات الشمال السوري اجتمعت يومي 16 – 17 آذار/مارس عام 2016 لإيجاد مخرج للأزمة السورية التي بدأت سلمية في 15 آذار/مارس عام 2011 وتحولت إلى العسكرة بعد أقل من عام. وفي هذا الاجتماع تبنى أكثر حوالي 200 ممثلاً عن شعوب الشمال السوري ومن الأحزاب السياسية والشخصيات الدينية وممثلي المرأة والشبيبة، النظام الفدرالي الديمقراطي نموذجاً لحل الأزمة السورية، وشكلوا المجلس التأسيسي للنظام الفدرالي في الشمال السوري.

وبعد مرور عام وعدة أشهر وتحديداً في 27 تموز عام 2017 اجتمع المجلس التأسيسي للفدرالية الديمقراطية بعد أن تم وضع العقد الاجتماعي للفدرالية الديمقراطية، مرة أخرى وفي هذا الاجتماع صادقوا على قانون التقسيمات الإدارية والتي بموجبها تم تقسيم الشمال السوري إلى 3 مقاطعات، كما انتخبوا رئاسة مشتركة للهيئة التنفيذية للفدرالية، وكذلك حددوا مواعيد إجراء انتخابات الفدرالية وذلك على 3 مراحل.

المرحلة الأولى التي جرت في 21 أيلول حققت نجاحاً كبيراً بتوجه الأهالي إلى صناديق الاقتراع وانتخاب الرئاسة المشتركة للكومينات التي تعتبر نواة الفدرالية الديمقراطية، ويوم أمس أجريت المرحلة الثانية من الانتخابات والتي تضمنت انتخابات مجالس الإدارة المحلية (النواحي، البلدات، والمقاطعات)، وسيبدأ العمل اعتباراً من الآن التحضير للمرحلة الثالثة والأخيرة والمتضمنة انتخاب مؤتمر الشعوب الديمقراطي (البرلمان).

وأظهرت الانتخابات التي أجريت يوم أمس مستوى الوعي الذي وصلت إليه شعوب الشمال السوري من كرد، عرب، سريان آشور، أرمن وتركمان وشركس من خلال توافدهم إلى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثليهم، كما أظهر التنافس بين المرشحين مدى الديمقراطية التي وصلت إليها شمال سوريا، إذ أظهرت هذه الانتخابات وتنافس المرشحين زيف الادعاءات التركية وأذيالها ممن يدعون أنفسهم بالمعارضة السورية بتبعية هذه الإدارة لحزب واحد، إذ شهدت الانتخابات تنافساً كبيراً بين قائمة الأمة الديمقراطية التي ضمت 18 حزباً كردياً، عربياً وسريانياً آشورياً وبين التحالف الديمقراطي، إلى جانب قوائم منفردة خاصة بأحزاب واحدة وكذلك مستقلين.

والملفت للانتباه أن قادة الأحزاب السياسية في الشمال السوري متأكدون بأن الحل للأزمة السورية ينبع من داخل الأراضي السورية وليس باجتماعات ترعاها القوى الإقليمية والدولية التي ترغب من تلك الاجتماعات تحقيق مصالحها الشخصية في سوريا دون أن تعير أي اهتمام لدماء أكثر من 350 ألف سوري أريقت في الأزمة المستمرة منذ 7 سنوات.

ليس هذا وحسب بل حتى شعوب شمال سوريا لم تهتم بما يجري في جنيف وجولته الماراثونية الثامنة التي كانت تعقد بالتزامن مع هذه الانتخابات، وأكدت شعوب الشمال السوري أن الشعب هو وحده من بيده الحل، وليس من يجتمعون في جنيف والآستانة.

وبالمقابل إذا ما نظرنا إلى ما جرى في جنيف الذي انطلقت أولى جولاته عام 2012، سنرى أن مصير هكذا اجتماعات هو الفشل، لماذا؟ أولاً لأنه تم إقصاء ممثلي الشعب الحقيقيين والذين يمتلكون الحل الديمقراطي الذي يحقق تطلعات الشعب السوري الذي دعا إلى تغيير النظام الاقصائي الاستبدادي وليس تغير الزمرة الحاكمة، وثانياً لأن من يدعون أنهم يمثلون الشعب السوري لا يمتلكون أي دعم من الداخل السوري والكثير من السوريين لم يسمع بهم، ثم لأنهم لا يملكون أي مشروع للحل سوى المطالبة بتغيير رموز النظام كي يحلوا هم محلهم.

وما يؤكد عدم جدوى هذه الاجتماعات هو مطالبة ما يسمى بوفد الرياض 2 برحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد، دون أن يكون له قاعدة جماهيرية على الأرض ودون أن يكون له أي مشروع يلبي تطلعات الشعب. والأمر الآخر كانت الجولة الثامنة لجنيف فاشلة حتى قبل انطلاقته لأن وفد النظام  تأخر يوما كاملاً، ثم أنه وكعادته تحجج بحديث وفد الرياض 2 عن موضوع رحيل الأسد من السلطة.

وقال رئيس وفد النظام بشار الجعفري يوم أمس “إن بيان الرياض 2 مرفوض جملة وتفصيلا ولا سيما أنه لا يأخذ بعين الاعتبار التطورات السياسية والعسكرية التي حدثت منذ أيام المبعوث السابق الأخضر الإبراهيمي وإلى الآن..”، وأكد بأنهم عائدون اليوم إلى دمشق ولن يعودوا إلى الجولة المقترحة في منتصف الشهر الجاري إلا بموافقة من دمشق.

وعموماً، الشعب هو الذي يقرر مصيره بيديه، وهو من يختار شكل النظام السياسي والإداري الذي يرغب به ويجد فيه أنه يحقق تطلعاته في الحرية والديمقراطية وضمان الحقوق والعدالة والمساواة، ومهما حاول المتسلقون والمستبدون فإنهم لن يستطيعوا النيل من إرادة الشعب لأن الشعب وكما قال الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي الذي انطلقت من بلاده شرارة ربيع الشعوب “إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر”.

(د ج)

ANHA