الاتصال | من نحن
ANHA

تظاهرات إيران .. احتجاج على سوء المعيشة أم السياسات ؟-1

البلاد في قبضة رجل واحد

ميديا حنان

قامشلو – تشهد المدن الإيرانية منذ أيام احتجاجات خرجت في البداية تنديداً بسوء الظروف المعيشية ولكنها سرعان ما تطرقت إلى ما كبته الإيرانيون في داخلهم لفترة طويلة، هو التنديد بسياسات الدولة وتدخلها في دول الجوار.

وفي هذا الملف المؤلف من جزأين سنسلط الضوء على طبيعة النظام السياسي في إيران وأجهزة السلطة فيها، والسلطات الموجودة وتحكم رجل واحد يتمثل بالمرشد الأعلى بها، كما سيتم التطرق إلى السياسات المطبقة بحق الشعوب غير الفارسية ومستوى ثراء إيران والفقر الذي تعاني منه البلاد، وأخيراً التظاهرات التي تشهدها والقمع الذي يتعرض له المتظاهرون.

النظام السياسي وطبيعة السلطة الإيرانية

لا يمكن فهم النظام السياسي لإيران من غير الرجوع إلى السياقات العامة التي اندلعت من خلالها الثورة الإيرانية عام 1979، والتي بدورها أسست لنظام سياسي مختلف في شكله ومضمونه عن غيره. وبالعودة إلى الوراء قليلاً، من المهم التأكيد على أن الثورة الإسلامية في إيران التي وقعت في نهاية عقد السبعينيات من القرن العشرين قد اتخذت لها مساراً مغايراً عن النموذج الثوري الذي كان سائداً في العالم الثالث آنذاك والذي تمثل بالثورة على الأنظمة الرأسمالية الموالية للغرب وإحلال أنظمة حكم شمولية اشتراكية. لم تكن الثورة الإسلامية بتدبير من المعسكر الشرقي الاشتراكي ضد المعسكر الغربي الرأسمالي، بل كانت ثورة نابعة من عمق المجتمع الإيراني؛ والديني منه على وجه الخصوص، ومتجهة بمشروع معد مسبقاً إلى إحلال نظام إسلامي، يقوم على نظرية الولي الفقيه التي تعتبر التمظهر الأكثر تطوراً في بنية العقل السياسي الشيعي.

ويرتكز النظام السياسي في إيران منذ ثورة 1979 على عدد من المؤسسات الحاكمة المتداخلة على مستوى النفوذ والصلاحيات، وبعض هذه المؤسسات فريدة من نوعها وغير تقليدية في الأنظمة السياسية المعاصرة، لكنها مرتبطة أساساً بطابع الحكم الديني في الدولة.

وتتشكل بعض هذه الهيئات والمؤسسات الحاكمة عبر أدوات ديمقراطية من خلال الانتخاب، ومنها مجلس الشورى الإسلامي ومجلس الخبراء ورئيس الجمهورية، وأخرى عبر التعيين، لكن سلطات المرشد تبقى في النهاية هي المهيمنة.

وتكون تفصيل صلاحيات ومسؤوليات أهم المناصب في النظام السياسي الإيراني وفق حجم السلطات، ويأتي المرشد الأعلى كأعلى سلطة ومقام في الدولة، وصاحب القرار الفعلي، ويأتي ذلك على “ولاية الفقيه العادل”، التي نص عليها الدستور في الفصل الخامس، وهي نظرية سياسية شيعية حديثة أفسحت المجال لتولي رجال الدين الشيعة الحكم في إيران، وكان آية الله الخميني مرشد إيران السابق أول من جسدها عملياً بعد ثورة 1979 ضد حكم الشاه محمد رضا بهلوي.

ووفقا لنظام الجمهورية الإسلامية ودستورها، فإن المرشد علي خامنئي حالياً يملك سلطات مطلقة تمنحه الفصل في كل شؤون الدولة، بما في ذلك السياسة النووية والخطوط الرئيسية للسياسة الداخلية والخارجية وقرار الحرب والسلم، فضلاً عن السلطة المباشرة على الجيش والحرس الثوري وأجهزة المخابرات.

وأعطى الدستور الإيراني -الذي صدر عام 1979- المرشد أو القائد صلاحيات واسعة، أهمها حق تعيين السياسات العامة لنظام الجمهورية والإشراف عليها، وإصدار الأمر بالاستفتاء العام، وقيادة القوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلام والنفير العام، كما أعطاه حق عزل رئيس الجمهورية، وتعيين وعزل قادة مجلس صيانة الدستور ورئيس السلطة القضائية، ثم رئيس الجمهورية والذي يعد رئيس الجمهورية -وفقا للمادة 13 من الدستور أعلى سلطة في الدولة بعد مقام القيادة، وينتخب لفترتين كحد أقصى، مدة الواحدة أربعة أعوام، ويتبع في معظم صلاحياته للمرشد الأعلى، كما أن حرية حركته تقيدها مجموعة من الأجهزة غير المنتخبة يسيطر على أغلبها رجال دين، وأهمها مجلس صيانة الدستور.

ويتولى الرئيس مسؤولية تسيير الأمور اليومية لشؤون البلاد، بالإضافة إلى ترؤسه مجلس الأمن القومي الذي يتولى تنسيق السياسة الدفاعية والأمنية، ويمكن للرئيس التوقيع على اتفاقيات مع حكومات أجنبية والموافقة على تعيين سفراء، ويعاونه مجلس الوزراء أو الحكومة ، كما تم إلغاء منصب رئيس الوزراء بمقتضى تعديل عام 1989.

أما مجلس الشورى وهو مجلس تشريعي ورقابي يتألف من 290 مقعداً، ومدة دورته البرلمانية أربعة أعوام، ويملك المجلس سلطات سن القوانين في إطار الدستور، واستدعاء واستجواب الوزراء والرئيس. ويتولى أيضاً منح الثقة للحكومة وطرحها عنها، والتصديق على المعاهدات والاتفاقات الدولية، لكنه يبقى خاضعاً لرقابة مجلس صيانة الدستور.

ويأتي بعد ذلك مجلس صيانة الدستور والذي يتألف من 12 عضواً، هم ستة علماء كبار يعينهم المرشد الأعلى وستة من القضاة، ويقوم بمراقبة مطابقة القوانين التي يجيزها مجلس الشورى (البرلمان) للشريعة الإسلامية ودستور البلاد، كما يقوم بفحص أوراق المرشحين الراغبين في خوض الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ويصادق على نتائجها.

والمجلس هو الجهة الوحيدة المؤهلة لتفسير مبادئ الدستور، ويشرف على انتخابات مجلس خبراء القيادة وانتخابات رئاسة الجمهورية وانتخابات مجلس الشورى، وعلى الاستفتاءات العامة، ويقوم بفض النزاعات بين مجلس صيانة الدستور ومجلس الشورى إذا رفض الأول توصيات الثاني.

ويرى المعارضون الإيرانيون أن المجلس ورقة قوية بيد القائد الأعلى (الولي الفقيه) لفرض آرائه، وأنه يقف أمام طموحات بعض الإصلاحيين الإيرانيين في التخفيف من صلاحيات المرشد الأعلى المطلقة.

أما مجلس خبراء القيادة فيتألف من 88 عضواً يتم انتخابهم لمدة ثماني سنوات، ويتولى المجلس وفق المادة 107 من الدستور اختيار القائد (المرشد الأعلى) وتحديد صلاحياته، ومتابعة قيامه بمهامه، وعزله وفق المادة 111.

ومجلس تشخيص مصلحة النظام والذي يسمى أيضاً مجمع تشخيص مصلحة النظام، هو هيئة استشارية تأسست عام 1988، ويتألف من 31 عضواً يعين المرشد الأعلى أعضاءه الدائمين والمتغيرين، ما عدا رؤساء السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) الذين ينضمون إلى المجمع بشكل آلي، ومدة عمل أعضائه خمس سنوات.

ويختص المجلس بحل أي خلافات تنشأ بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور، وتصبح قراراته بشأن خصومة الهيئتين نافذة بعد مصادقة المرشد عليها، ويختار في حالة موت المرشد الأعلى أو عجزه عضواً من مجلس القيادة يتولى مهام المرشد حتى انتخاب مرشد جديد.

والسلطة القضائية مهمتها بحسب الدستور إحقاق العدالة، ورئيسها “شخص مجتهد وعادل ومطلع على الأمور القضائية”- وفق الدستور- ويعد أعلى مسؤول في السلطة القضائية، يعينه المرشد الأعلى لمدة خمس سنوات، وهو يتولى تعيين القضاة والبت في عزلهم ونقلهم وتحديد وظائفهم وترقيتهم.

وينص الدستور الإيراني أيضاً على تشكيل المحكمة العليا للبلاد بحسب القواعد التي يضعها رئيس السلطة القضائية، وهي تتولى الإشراف على صحة تنفيذ القوانين في المحاكم وتوحيد المسيرة القضائية وأدائها لمسؤولياتها القضائية”، وفق الدستور.

ووفقاً لطبيعة النظام السياسي الإيراني فأن المؤسسة الولي الفقيه تسيطر على السلطة القضائية عبر التعيين، وهي تتضمن عمليا منصب المرشد الأعلى، ومجلس الخبراء، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، ومجلس صيانة الدستور.

كما تسيطر المؤسسة على أجهزة أخرى ثقافية وأمنية ودينية، ويتبع للمرشد الأعلى مباشرة هيئات وأجهزة أمنية وعسكرية مثل الجيش والحرس الثوري والاستخبارات، والمجلس الأعلى للأمن القومي، الذي لا تكون قراراته نافذة إلا بعد مصادقة المرشد عليها.

وكما يتضح من طبيعة النظام السياسي إن السلطة الحاكمة الإيرانية تكون المرشد الأعلى والذي يترأسه حالياً علي الخامنئي، إذ أن جميع القرارات والمرجعيات السياسية المختصة بالدولة تصدر من عنده.

الشعب الكردي وسياسة تدمير القرى والإخلاء القسري

ويعاني الشعب الكردي القاطن في إيران، التمييز منذ أمد بعيد وتقمع حقوقهم الاجتماعية والسياسية والثقافية، وكذلك تطلعاتهم الاقتصادية. كما تتعرض المناطق الكردية للإهمال والحرمان الاقتصادي، مما يؤدي إلى زيادة الفقر. وقد واجه الكرد عقوداً من التحديات المتصلة بالسكن بدءا من تدمير قراهم خلال الحرب بين إيران والعراق، وصولاً لمشاكل أكثر حداثة من إهمال الدولة إلى الإخلاء القسري. ويمنع الكرد من تسجيل أطفالهن بأسماء كردية ذات معاني ويبقى استخدام اللغة الكردية في التعليم محظوراً ويتعرض مدراء حضانات الأطفال التي تسمح بتعليم اللغة الكردية للتحقيق والمضايقات والتهديد بإغلاق مؤسساتهم.

منع اللغة وتهجير ممنهج للشعب العربي

أما بالنسبة للعرب المقيمين في محافظة خوزستان حالياً، في الجنوب والجنوب الغربي لإيران وعاصمتها حالياً الأحواز فالأمر أكثر سوءاً من غيره، هذه المحافظة تعد أكثر المحافظات ثراءً في الجغرافيا الإيرانية حيث حقول النفط والغاز، إلا أن ذلك لم يغير من استراتيجية السلطات في التعامل معهم؛ فبالإضافة إلى منع سكان هذه المناطق من التحدث باللغة فإنها تعاني من تجاهل كامل للبنية التحتية والخدمية ويعاني شباب المحافظة من البطالة وانتشار المخدرات بينهم جراء هذا التهميش، إلى جانب ذلك يعترض أهالي المحافظة على قيام السلطات بتغيير ممنهج للتركيبة الديموغرافية للمحافظة من خلال اعتماد سياسة التهجير للأهالي مقابل توطين عائلات تم نقلها من محافظات وسط إيران من العرق الفارسي.

البلوش وسياسة التهميش

وفي الشرق والجنوب الشرقي من البلاد، يعاني أهالي محافظة سيستان وبلوشستان من تهميش كبير في الجانب المعيشي والتنموي والتعليمي والسياسي، كما أن حصة هذه المحافظات من الميزانية العامة للدولة تُعد الأقل بين جميع المحافظات الإيرانية على الرغم من أن المحافظة تعد ثالث أكبر محافظة في البلاد، قاد هذا الأمر السكان إلى التعبير عن امتعاضهم تجاه هذا التهميش وقادهم إلى تنظيم العديد من المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية مما أدى إلى مواجهات ومصادمات مع الأجهزة الأمنية الأمر الذي نجم عنه اعتقال وإعدام العشرات.

غداً: بقاء النظام يعتمد على تهميش الشعوب غير الفارسية

(ح)

ANHA