الاتصال | من نحن
ANHA

تظاهرات إيران .. احتجاج على سوء المعيشة أم السياسات ؟ 2

ملف

بقاء النظام يعتمد على تهميش الشعوب غير الفارسية

ميديا حنان

قامشلو – تتعرض القوميات غير الفارسية إلى ضغوط كبيرة من قبل السلطة الإيرانية المتركزة في يد المرشد الأعلى الذي يتحكم بكافة التفاصيل في البلاد، وعلى الرغم من ادعاء السلطات بأن التظاهرات التي تشهدها البلاد حالياً هي بسبب الأزمة الاقتصادية إلا أنها في الحقيقة نتيجة السياسات الممنهجة المطبقة بحق تلك الشعوب.

التوزع السكاني في إيران

وتعد إيران من الدول ذات القوميات المتعددة، ويعتبر الفرس، الأذر، الجيلاك، الكرد، العرب، البلوش والتركمان من أهم هذه القوميات في إيران. وبحسب المصادر الرسمية يشكل الفرس 51% من السكان البالغ عددهم قرابة 79 مليون نسمة، في حين يشكل الأذريون 24% والجيلاك المازندارنيون 8% والكرد 7% والعرب 3% واللور والبلوش والتركمان 2% لكل منهم، وبقية القوميات 1% من السكان.

ويشكل الفرس الأغلبية السكانية في 11 محافظة من أصل 31 محافظة إيرانية، الاذريون والتركمان يشكلون الأغلبية السكانية في 3 محافظات، وبالنسبة للكرد يشكلون الأغلبية السكانية في 7 محافظات، والعرب يشكلون اكثرية سكان محافظة خوزستان ونصف سكان محافظة هرمزكان، البلوج يشكلون الأكثرية السكانية في محافظتين، الديلم ويقال بأن أصلهم من الفرس يشكلون الأكثرية السكانية في محافظة واحدة، المازندرانيون ويقال أيضاً بأنهم فرس ويشكلون الأغلبية السكانية في محافظة مازندران، وبقية المحافظات تكون مختلطة ونسبة القوميات فيها مختلفة.

بقاء النظام يعتمد على تهميش الشعوب غير الفارسية

ويعتمد النظام الإيراني في بقائه على تهميش الآخر، وهو يعلم يقيناً بأن تحرك هذه القوميات سيؤثر سلباً على كينونته وبقائه لذلك يسعى جاهداً إلى القضاء على ما يهدده قبل أن يكون. ومن أجل ذلك يمارس النظام الإيراني كافة أشكال الضغط على بقية القوميات، ويحرمها من حقوقها الأساسية، كما يهمل مناطقها ويشدد من القبضة الأمنية فيها.

وكل من يحاول أن يثور على النظام الإيراني أو تنظيم نشاطات سياسية، يكون مصيره الاعتقال والإعدام دون أن تجرى له محاكمة. إذ أن أغلب النشطاء السياسيين يخضعون في السجون لتعذيب شديد ومن ثم يتم نقلهم إلى المحكمة دون أن يتم السماح لهم بالدفاع عن أنفسهم، وتقرأ عليهم التهم الموجهة إليهم والتي تكون غالباً إما الكفر، تجارة المخدرات، العمل لصالح أجهزة استخبارات أجنبية، المساس بأمن الدولة، ومن ثم يصدر القاضي القرار بالإعدام ليتم تنفيذ الحكم بحقهم.

واستطاع النظام الإيراني أن يسيطر على الفسيفساء الموجودة في البلاد عن طريق استخدام عدة أدوات يمكن تقسيمها إلى قوة ناعمة وقوة خشنة؛ تتمثل القوة الناعمة بفرض المذهب الإثني عشري المنضوي تحت مبدأ ولاية الفقيه بالإضافة إلى التلاعب بالتقسيمات الديمغرافية للبلاد واتباع سياسة إفقار الشعوب غير الفارسية ومنع العرب والكرد من التحدث بلغتهم ومنعهم من ارتداء زيهم، وصولًا إلى منع السنة من بناء مساجد خاصة بهم في طهران حتى لو كانت هذه المساجد تستخدم من قِبل البعثات الدبلوماسية.

أما فيما يتعلق بالقوة الخشنة فالنظام الإيراني يستخدم وسائل متعددة في منع أي ظاهرة من ظواهر المعارضة، بدءًا بقمع المظاهرات بالقوة وليس انتهاءً بتنفيذ أحكام الإعدام بحق معارضيه، فقد أكدت زعيمة منظمة “مجاهدي خلق الإيرانية” مريم رجوي في مؤتمر في باريس أن وتيرة الإعدامات قد ازدادت في زمن حسن روحاني، وتشير بعض الإحصاءات إلى تنفيذ أكثر من 2000 حكم إعدام منذ مجيء حسن روحاني إلى سدة الحكم.

الاقتصاد الإيراني

وتعد إيران واحدة من أثرى دول الشرق الأوسط، إذ تتنوع قطاعات اقتصادها، فهي تعتمد بشكل رئيسي على إنتاج وتصدير النفط والغاز، إلى جانب الصناعة خصوصاً صناعة السيارات التي يتم تصديرها إلى دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتعد ثاني أكبر منتج ومصدر للبتروكيماويات في منطقة الشرق الأوسط، بعد المملكة العربية السعودية، كما أنها أكبر منتج للصلب في الشرق الأوسط، ومن بين كبار المنتجين على الصعيد العالمي.

ليس هذا وحسب، بل تتميز إيران بمناخ وتضاريس مناسبة لزراعة التبع والشاي والقمح والشعير، كما أنها تعتبر من كبار المصدرين للكافيار والفستق والمكسرات، فحوالي 20 % من مساحة الأراضي هي قابلة للزراعة.

ولكن الملفت للانتباه أن 80 % من الدخل الاقتصادي يعود للسلطة الحاكمة الإيرانية، والتي تمول به مشاريعها وسياساتها في المنطقة، دون أن يحصل الشعب على كفايته من هذا الناتج، الأمر الذي أدى لتفاقم الأزمة المعيشية في البلاد.

أزمة بطالة حادة منذ سنوات

لو ألقينا نظرة إلى الاحصائيات التي أجرتها مراكز البحوث الإيرانية حول المستوى المعيشي في إيران، نجد أن معدل البطالة الحالي في إيران يفوق 12%، ولكن نسبة البطالة هذه ترتفع كثيراً في المناطق التي يقطنها قوميات غير فارسية إذ تصل نسبة البطالة في محافظات كرمانشاه (الكردية) والأهواز (العربية) وبلوشستان إلى 60 % وهذا يدل وبشكل واضح على السياسة العنصرية التي تتبعها السلطات الإيرانية بحق القوميات المضطهدة في إيران.

وأزمة البطالة ليست أزمة جديدة في إيران، إذ تعاني البلاد منها منذ سنوات، ويفيد تحليل مركز أبحاث البرلمان الإيراني أن معدلات البطالة واصلت الارتفاع بلا هوادة منذ بداية حكم الرئيس حسن روحاني. وعلى الرغم من أن روحاني استطاع خلال ولايته الأولى تخفيض معدلات التضخم التي بلغت نسبة 40 % إبان رئاسة سلفه أحمدي نجاد، لكن لا يزال الاقتصاد الإيراني يعاني من صعوبات وما تزال البطالة متفشية.

وأظهرت إحصائيات سابقة ارتفاع عدد الوافدين إلى سوق العمل من حاملي الشهادات الجامعية ليصل إلى نحو 5.6 مليون في 2013، وأظهرت إحصائيات أخرى سابقة تراجع مؤشر الباحثين عن العمل بين عامي 2005 و2012. في الوقت ذاته، ذكرت دراسة أن عام 2010 شهد أعلى نسبة معدلات البطالة حيث بلغ ما يعادل 13.5 % في الوقت الذي كان النمو الاقتصادي في نفس العام 6.5 %، وهو أعلى نسبة نمو بين 2005 و2014.

وكان وزير العمل والرفاه الاجتماعي الإيراني، علي الربيعي قد صرح في 8 شهر آب الماضي بأنه في “كل خمس دقائق يزداد إيراني إلى عدد العاطلين عن العمل”، وشدد على ضرورة تأمين 800 ألف وظيفة سنوياً.

ويظهر ارتفاع نسب البطالة الرسمية عجز الحكومات الإيرانية المتعاقبة في مواجهة أزمة البطالة رغم وعودها بمكافحة هذه الظاهرة بصورة نهائية عبر الإعلان عن مشاريع متعددة للسيطرة على الأزمة.

رغم الثراء؛ لم تقدم الحكومة مساعدات للمتضررين من الزلزال

وتعاني المدن التي يقطنها الكرد والعرب والبلوش، من سياسات عنصرية يتبعها النظام الملالي الإيراني ضدهم، وخصوصاً الشعب الكردي، حيث يتم منعهم من ممارسة العمل السياسي، وتعاني مناطقهم من فقر مدقع، وفي الـ 13 من تشرين الثاني المنصرم، ضرب زلزال مدينة كرمنشاه الكردية في شرق كردستان (روجهلات)، فقد فيها 474 شخصاً لحياتهم وأصيب ما يزيد عن 9 آلاف شخص، ولكن السلطات الإيرانية ورغم ثراءها لم تقدم دعماً للمتضررين. كما ذكرنا سابقاً أن المحافظات الإيرانية التي يسكنها قوميات أخرى غير فارسية ترتفع فيها نسبة البطالة إلى 60 %.

احتجاجات تعم المدن الإيرانية

ونتيجة الأوضاع المعيشة السيئة التي يعاني منها الشعب، خرج الأهالي ومن مختلف القوميات عفوياً إلى الشوارع ضد ارتفاع الأسعار ومعدل البطالة، مطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية.

ومن بين المدن التي شهدت تظاهرات مدينة مشهد ثاني أكبر مدن البلاد بعد العاصمة طهران، إلى جانب مدن يزد، شاهرود، كاشمر، رضاوي، نيشابور، كرمانشاه، شيراز، لرستان، المحمرة وأصفهان. واتسعت هذه التظاهرات لتشمل طهران ومدناً أخرى.

هذه التظاهرات العفوية التي خرجت، سرعان ما أظهرت ما كان يخفيه الأهالي خوفاً من ظلم السلطات الإيرانية التي تعدم كل من يعادي السلطة بتهمة زعزعة الأمن في البلاد، الكفر، تجارة المخدرات وغيرها من الحجج الواهية، وتنفذ بحقهم حكم الإعدام كما حصل للعديد من الساسة الكرد المعتقلين في السجون الإيرانية.

وردد المتظاهرون شعارات مناوئة للسلطة، وأطلقوا شعارات “أطلقوا السجناء السياسيين”، “الحرية أو الموت”، “لا تهتموا بفلسطين، فكروا بنا”، “الناس تتسول ورجال الدين يتصرفون مثل آلهة”، “اتركوا سوريا، فكروا فينا”، “أضحي بحياتي في سبيل إيران وليس غزة أو لبنان”، و “الموت للروحاني”.

إلى أين تذهب الأموال الإيرانية ؟

ويتهم نشطاء سياسيون وحقوقيون إيرانيون، الحكومة الإيرانية بأنها تخصص نسبة كبيرة من عوائد البلاد لدعم “ميليشيات طائفية” في العراق وسوريا واليمن، بينما يعاني المجتمع الإيراني من مشاكل اقتصادية واجتماعية كبيرة.

وتدخلت إيران في غالبية دول المنطقة من أجل تطبيق سياساتها، وخصوصاً في سوريا، العراق، لبنان من أجل تشكيل ما يسمى بالهلال الشيعي الذي يربط إيران بسوريا وصولاً إلى لبنان، ومن أجل هذه الغاية أرسلت إيران الحرس الثوري الإيراني ومجموعات مسلحة بمسميات مختلفة إلى سوريا والعراق بحجة محاربة داعش، وذلك من أجل تأمين طريقها.

وإلى جانب ذلك تدعم إيران، جماعة حزب الله اللبنانية، كما تدعم جماعة أنصار الله الحوثية في اليمن، وتدخلت إيران في الشؤون البحرينية وتتعاون الآن مع قطر وتركيا ضد الشعب الكردي في سوريا والعراق، وكذلك ضد السعودية وعدد من دول المنطقة السنية.

وتعمل مجموعات إيرانية الآن على ترميم معبر واصل بين سوريا والعراق قرب البوكمال السورية، وبدأت طهران مؤخراً باستعمال الطريق البري الواصل بين طهران والبحر المتوسط. وكل هذه المشاريع تمولها السلطات الإيرانية على حساب الشعب، الأمر الذي أغضب الإيرانيين وجعلهم يخرجون في تظاهرات ضد النظام، وأظهرت مقاطع فيديو إحراق متظاهرين لصور الرئيس الإيراني حسن روحاني ومرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي.

التعامل بعنف وسياسات لتفريغ التظاهرات من فحواها

وما أن خرج الأهالي عفوياً مرددين شعارات سياسية ضد نظام الملالي، حتى اتهمت السلطات الإيرانية معارضيها بالوقوف خلفها واستخدمت العنف في تفريق المتظاهرين، كما لجأت السلطات إلى طرق لإفراغ التظاهرات من فحواها مستفيدة من تجاربها في مكافحة التظاهرات في سوريا.

ومن بين الوسائل التي اتبعتها السلطات في إفراغ التظاهرات، هي لجوئها إلى إجبار الطلبة وعناصرها الأمنية (بالزي المدني) بالخروج إلى الشوارع في تظاهرات مؤيدة للنظام على غرار ما فعلها النظام السوري في سوريا خلال بداية انطلاق التظاهرات المنادية بإسقاط النظام.

(ح)

ANHA