الاتصال | من نحن
ANHA

‘انقلاب اردوغان’

آلان عثمان

مركز الأخبار – بعد ساعات من إعلان فشل الانقلاب العسكري في الـ 15 من الشهر الجاري، بات الرأي العام التركي والعالمي أمام مشهد حملات الاعتقالات اليومية لقوات العدالة والتنمية في صفوف الجيش التركي والمؤسسات القضائية والتعليمية وخصومها من جماعة غولن، أما في كردستان فلم تتوقف حملات الاعتقال والملاحقات بحق النشطاء والمواطنين الكرد في الوقت الذي حذر الرئيس المشترك للهيئة التنفيذية في منظومة المجتمع الكردستاني جميل باييك من زيادة الخطر على حياة قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان الذي كان قد حذر “من الفشل في محادثات السلام، سيؤدي  إلى وقوع انقلاب في تركيا”.

التحليلات والتقارير الإعلامية التي رافقت “الانقلاب الفاشل” كما يُسمى، أخذ نصيبه الأكبر في عناوين نشرات الأخبار والصحف الإقليمية والعالمية، وبات الحدث الأبرز. والاهتمام الذي حظي به الانقلاب العسكري يعكس مدى أهمية المنطقة والرقعة الجغرافية التي كادت أن تدخل ضمن حكم العسكر بعد عقود من حكم حزب العدالة والتنمية الذي أوصل تركيا خلال السنوات الماضية نتيجة عدائه للشعب الكردي إلى دولة منبوذة في محيطها الخارجي، حيث خاضت قوات العدالة والتنمية حرب إبادة في كردستان ضد الشعب الكردي منذ حصول حزب الشعوب الديمقراطي على نسبة 13% من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية التي جرت في السابع من حزيران 2015.

لكن يبدو أن شكل الانقلاب وما رافقها من حملات اعتقالات والضبابية في بعض جزئيات “الانقلاب الفاشل” جعل من الحدث أكثر أهمية، ومنذ الساعات الأولى تعددت الآراء حول الحدث، حكومة اردوغان وحلفائها اتهمت بشكل مباشر جماعة غولن، فيما رجحت أطراف أخرى نظرية المؤامرة لا سيما بعد قول اردوغان “الانقلاب هدية من السماء” بالإضافة إلى ما كشفته وسائل الإعلام عن علم مسبق لـ اردوغان في نفس اليوم بتحركات القطع العسكرية، فيما رجحت آراء أخرى أن الانقلاب من تخطيط القادة العسكريين الذين يدينون بولاء كامل لكمال اتاتور ويتبنون العلمانية وخططوا للانقلاب بعد أخذهم الضوء الأخضر من دول كبرى.

بعيداً عن من يقف وراء الانقلاب الفاشل وكيف تم إخماده، هذا ما ستكشفه الأيام القادمة، لكن الآثار التي حفرها الانقلاب في المجتمع التركي مما لا شك سيزيد من الشرخ بين فئات المجتمع ومؤسسات الدولة بعد المشاهد التي ظهر فيها الجيش التركي، المعروف بتفننه بقتل وإبادة الكرد لعقود من الزمن، بشكل مستسلم لزعران اردوغان واستغاثة الجنود لهم لعدم قتلهم أمام شاشات التلفزة، هذه الصورة التي لم يشهدها المجتمع التركي عن جيشه طوال الحرب التي خاضها ضد حركة التحرر الكردستاني، رغم وقوع العديد من أسرى الجيش بيد قوات الكريلا وارتكاب أفراد ذلك الجيش المجازر بحق الشعب الكردي، لكن أخلاق مقاتلي حركة التحرر الكردستاني لم تسمح بذلك.

ومع استثمار اردوغان لمحاولة الانقلاب الفاشلة لصالح حزبه، يبدو في المدى القريب أن المستفيد الأول هو اردوغان وحزبه، ويمكن القول أن تسمية “انقلاب اردوغان” هي الأصح من “الانقلاب العسكري” لا سيما بعد اعتقال وتوقيف أكثر من 60 ألف عسكري وموظف من مختلف أجهزة الدولة من بينهم مسؤولين في تلك الأجهزة، لكن في المدى البعيد تشير الوقائع أن محاولة الانقلاب، ستجلب معها ويلات على حزب العدالة والتنمية وعلى المجتمع التركي، الذي ستتضخم فيه الانقسامات بين العديد من الفئات “الجيش، جماعة غولن، الميت التركي، المؤسسات التعليمية، الأحزاب السياسية..”، لكن القشة التي ستكسر ظهر اردوغان بعد فترة، هي القضية الكردية عندما يستفيق من نشوة الانتصار ويوجه قوات الأمن والجيش التركي التي اهتزت هيبتها إلى مناطق كردستان لاستكمال مخططاته في قتال الشعب الكردي وقوات الكريلا، ليبتلي ذلك الجيش بخسائر أكثر فداحة من قبل، الأمر الذي حصل خلال الأيام القليلة الماضية من تلقي الجيش التركي وقوات الشرطة لخسائر فادحة.

إن من سينقذ اردوغان من “انقلابه” هو تبنيه للنهج الديمقراطي في إدارة البلاد وهو ما سيترتب عليه خسارة اردوغان على المستوى الشعبي في النهاية، وبين خيار الديمقراطية واستمراره في حملات الاعتقال ومعاداة الشعب الكردي سيتمسك اردوغان بالخيار الثاني وسيحتاج اردوغان لبناء وتوسيع السجون بدل بناء مؤسسات لخدمة المجتمع، وهو ما سيجلب معه انقلاباً آخر.

(ح)