الاتصال | من نحن
ANHA

الوحدة الوطنية في المجتمع الكردستاني: المطلب الذي حان وقته

تحليل

ملخص تنفيذي

مائة وعامٍ على اتفاقية سايكس بيكو منذ شهر أيار الماضي. ولعل أبرز النتائج التي بالإمكان توسيمها اليوم على الشرق الأوسط بأن شعوبها ومجتمعاتها؛ علاوة؛ في أنها لم تشهد الاستقرار فقد كان القرن الأكثر دمويّاً على تاريخ الشرق الأوسط. في البدء تناولت السكاكين الجسم الواحد وأحدثت خرائط لم تكن قبلها موجودة بالشكل الحالي، وتمّ فرض هويات معينة، وحروب معينة، وأجسام مشوهة كانت دول الجغرافيات المستقطعة. ومن بعدها أُسِّست الأنظمة النمطية الأحادية والتي كانت حارسة الخرائط التي لن تتوانى من تنفيذ ما يُطلب منها من قبل قوى الهيمنة العالمية. ثمّ ما لبثت أن تحوّل الشرق الأوسط إلى مجموعة كبيرة من الأزمات وصولاً إلى أن كل جغرافية/ دولة تحولّت إلى مجتمعات منحجزة ومقسمّة وآيلة إلى السقوط. بالرغم من أن الكرد كانوا أكثر الخاسرين من هذه الخرائط؛ إذْ لم تكن لهم محلّات –كنتيجة- إثْر وقع سكيّن النظام العالمي وانتاج الخرائط، فقد تم النظر إليهم بأنهم بنادق مصوّبة لترويض الأنظمة التي تقتسمها، كما وصل قسم من الكرد في مغبّة مفادها أن حل القضية الكردية محصورة فقط على يد من غيّبها. ولعل أكثر من استخدم؛ ولم يزل؛ هذه النتيجة غير الواقعية هم (الشركاء) شركاء الكرد في الشرق الأوسط وأيضاً جزءٌ من الكرد أنفسهم.

ولأن جميع الأزمات؛ بالأخص منها في الشرق الأوسط؛ ذات أبعاد وحلول معرفية وبنيوية؛ فإن حل القضية الكردية حلّاً ديمقراطياً ينطبق عليه مثل الفهم، وستكون المقاربة ناجحة لو انطلقت من مثل هذا المنظور. أمّا: أمّةٌ في شقاق، وليس للكرد سوى جبالهم، وليس للكردي إلّا الريح؛ فقد حان الوقت لطيّ تلك الصفحة غير الأخلاقية قبل كل شيء، ووضعها في أقرب حاوية يتم تأسيسها في المنعطفات التاريخية من حركية الشعوب كما حقيقة الكرد التاريخية السياسية الجغرافية منذ آلاف السنين في الشرق الأوسط، وحقيقة الدور الذي تقوم به حركة حرية كردستان من خلال مشروعها التنويري النهضوي المتمثل في نظرية الأمة الديمقراطية، والأخيرة كانت سبباً حاسماً للانتقال الحاسم إلى أدوارٍ متقدمة يؤدونها اليوم حتى بات لهم محلّا ليس باليسير على منشرحِ مسرحِ السياسية الإقليمية والعالمية وجزءً مهماً –اليوم- من التوازنات والتحالفات التي تشهدها العلاقات الدولية. كلّ هذا يتخلله مشاهد ونواقص سلبية التأثير؛ في مقدمتها تأخير التأسيس للوحدة الوطنية ما بين القوى والحركات والأحزاب السياسية الكردستانية والكردية في عموم كردستان. وحينما نكون بصدد مثل هذا المطلب الذي تأخرَ؛ فإنه من المهم أن نذكر بأن الفيلسوف والقائد عبدالله أوجلان أول من دعا إليها منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي، ومن المهم أيضاً التنويه بأن (الهبّة) الكردستانية في انعقاد المؤتمر الوطني الكردستاني التي شهدتها هولير في ربيع وصيف 2013 كان لأوجلان التأثير المفصلي في ذلك أيضاً، ولا ننسى تفاعل وفاعلية الأحزاب الكردستانية وعموم الكردية في الأجزاء الأربعة من رغبة لإنجاز مثل هذه المهمة الوطنية وتحقيق وحدة تليق بتاريخ الكرد كشعب وكقضية لا بد من إيجاد حل ديمقراطي لها. وعلى الرغم من التعثر الحاصل الذي حال دون حصوله حينذاك، وعلى الرغم من وجود فرصة مهمة تاريخية –اليوم- لإنجاح وتأسيس الوحدة الوطنية، والتي ستكون أولى تأثيراتها البنّاءة على شعوب المنطقة ومجتمعاتها ووقائعها المجتمعية، والإتيان بمزيد من الاستقرار.

دواعي وأسباب الوحدة الوطنية

تعتبر الوحدة الوطنية الأساس في استقرار المجتمعات وأمنها، وتعتبر في شأنها الكردي بمثابة مشروع نهضوي يعود بالفائدة ويسهم في تحقيق قفزة مجتمعية لعموم الشرق الأوسط، لذلك تحظى بأولوية على ما عداها من أهداف وغايات، كالهوية والعيش المشترك والعمل المشترك وتأسيس استراتيجية تُمّثلها وتمتثل في الوقت نفسه إلى مرجعية سياسية كردستانية عليا. وتكون حماية الإرث الحضاري الكردي والدفاع المشترك المشروع عن شعوب كردستان وعموم شعوب المنطقة من الأخطار والتناحرات على أساس القوموية والدينية والطائفية والعلموية مهمة حضارية ما فوق قومية، من حيث أن الحديث عن الحرية للشعب الكردستاني بدون قوة أمن وحماية ودفاع مشروع سيكون فعلاً رومانسياً في البداية وطيشاً سياسياً قاصراً يغرق المنطقة برمتها في أتون حربٍ يخسر منها الجميع. وإنْ كان الهدف الأسمى ودواعي الوحدة الوطنية هو التأسيس واستنبات المجتمع السياسي وتحقيق الاكتفاء الذاتي في المجتمع الكردي وتنمية مستدامة في جميع المجالات المجتمعية أهمها التعليم الموّحد والتنشئة المسؤولة وريادة المجتمع عن طريق مؤسسات المجتمع المدني الديمقراطي وأمور أخرى تصب في هذا المنحى المتكامل؛ فإنه بالمستطاع وقتها بأننا وتأسيس أرضية ومقاربة فعالة تؤدي إلى نتيجة أن الكرد سيكونون وجهٍ لوجه مع الحرية. وعن الأخيرة التي لا يمكن لعاقل أو سويّ أن يكون ضدها أو يرفضها للشعب الكردي؛ بالقسمة نفسها مع شعوب المنطقة. وعليه فإن الوحدة الوطنية تشكل بحق أهم الثوابت المبدأية وأكثرها إلحاحاً وحيوية.

مفهوم الوحدة الوطنية

ركيزتان ترتكز عليهما مفهوم الوحدة الوطنية؛ أولاهما: الإطار المعنوي أو الجانب القيمي، وهذا الجانب يتعلق بالدور الذي يقوم به الكرد سواء من الناحية الإفرادية كعضو في المجتمع الكردي، أو من ناحية الانتماء إلى المجموعة قد تكون عائلة أو عشيرة أو قبيلة أو مؤسسة اجتماعية أو حزب سياسي أو اتحاد أكثر شمولاً، تسهم مجتمعة في تشكيل نسيج المجتمع الكردي على أساس قيمة الانتماء العليا؛ لا مكان لثقافة التناحر فيها. ثانيهما: الإطار القانوني، الذي يرتبط بالأساس بوحدة القضية الكردية وتكامل حلها، وقيام نظم أو آليات قانونية ودستورية ومؤسسية تكفل الحفاظ على الوحدة والشعب وتماسكه وترابط مقوماته وعوامل وجود المجتمع الكردستاني.

من هنا تبرز أهمية الوحدة الوطنية الكردستانية باعتبارها القاعدة الأساسية التي تلبي تطلعات الشعب الكردستاني المشروعة والمؤكدة عن طريق الحقوق المقرة والمعمول بها في العهود والمواثيق الدولية، ينطلق أساساً من مكانة الكرد التاريخية والمساهمة الفعالة التي قاموا بها منذ الاجتماع أو الاستقرار الزراعي الأول في كردستان وميزوبوتاميا العليا مروراً بجميع الحضارات التي مرت على المنطقة، وصولاً إلى وقتنا الحاضر. فالوحدة الوطنية وما ينتج عنها من مرجعية سياسية عليا؛ على سبيل المثال؛ بما تمثلها من علاقات تماسك وترابط بين مختلف الأجزاء الأربعة التي تشكل مجتمعة حقيقة المجتمع الكردي وما يلزمها من انتظام في العلاقات على جميع المناحي: إقليميا وعالمياً، وما ينجم عنها من توافق على توحيد الرؤى في الصعد التعليمية والاقتصادية والاتحاد الدفاعي المشترك بما لا يتعارض مع أمن أي مجتمع أو بلد من بلدان الشرق الأوسط، بل ربما ستتحول إذا ما أنجزت إلى قاعدة للعمل المشترك وتقوية العلاقات مع شعوب المنطقة برمتها؛ خاصة بأنها حقيقة الشرق الأوسط تؤكد على أن أهم المنعطفات التي مرت على الشرق الأوسط حدثت حينما حدث عمل مشترك أو تحالف بين طلائع تلك الشعوب وقواها السياسية. كما أن الوحدة الوطنية تحقق المسألة الأكثر أهمية وهي الانتماء الوطني الذي يعلو بدوره على مختلف الانتماءات والولاءات الأخرى، وتبدو الهويات المختلفة والعقائد والثقافات المحلية والأجندات الفئوية تؤكد على قاعدة التنوع والاختلاف وتُذْهب بالخلاف والشقاق، وهذا بحد ذاته الغاية والهدف من الوحدة الوطنية. ومن خلاله يتم التأسيس نحو المجتمع الأخلاقي الأيكولوجي المتحرر جنسوياً. كما أن تحقيق أواصر ارتباط بين المرجعية السياسية التي تشكل الجهاز التشريعي الأعلى من ناحية ومن أُخراها بين مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات المرأة والشباب في اتحاد المجتمع الكردستاني وعلى مبدأ المساواة والتشاطر العادل وفق ضمانة دستورية تؤكد مسائل الانتماء الأوليّة المساهمة في تشكيل الانتماء الوطني.

لكن كيف يتم تحقيق الوحدة الوطنية الكردستانية؟

إن الحراك الوطني المسؤول الذي يقوم به -هذه الأيام وفي السابق- المؤتمر الوطني الكردي (KNK) في هذا المنحى ودعوته إلى عقد لقاء تشاوري بين مختلف القوى والأحزاب الكردية والكردستانية بهدف مناقشة وتحديد برامج عملية من شأنها أن تحد حالة التناحر الموجودة اليوم في الأوساط السياسية الكردستانية وبدرجة أقل الشارع الكردي. يبدو أن هناك فرصة سانحة أخرى لتفعيل عقد مؤتمر وطني كردستاني تجمع وتجتمع على استراتيجية موحدة وآليات عمل موحدة. والمؤتمر الوطني الكردستاني ونتائج حراكه المأمولة تشكل بداية عملية يؤمل أن تتوج بإطلاق حوار جديّ يسهم في بناء قاعدة الوحدة الوطنية الكردستانية، ولذلك يجب أن لا يتم غض النظر عن أهمية توفير حاضنة سياسية وشعبية تستمر بالضغط لإنجاح مثل هذه المهمة الوطنية أي عقد مؤتمر وطني كردستاني. لا مكان فيه للأجندة الفئوية والبرامج الضيقة التي كانت السبب الأساس في إفشال (الهبّة الكردستانية الوطنية) نحو عقد مؤتمر وطني واستراتيجية شاملة؛ وهنا ليس من الخطأ أن نحدد بأن حزب الديمقراطي الكردستاني يتحمل إلى درجة كبيرة عدم نجاح عقد المؤتمر الوطني الكردستاني حينها. بل من الخطأ عدم تحديد المسؤوليات الكبرى والمهمات الجسام التي ستكون حينما يُكتب النجاح لعقد المؤتمر الوطني، ووحدة الشعب الوطنية ستكون ضامن مهم لعدم انزياح محتمل وإطلاق البعض لمسارات خاصة تبتعد عن الانتماء الوطني وتكرس الشقاق مرة أخرى.

المؤتمر الوطني الكردستاني ينجم عنه بالضرورة ما يمكن تسميته بالرزمة الشاملة وقضايا المستوى الوطني العام التي تؤكد مجتمعة أو منفصلة بأنه ثمة حاجة لخارطة طريق الوحدة الوطنية تبدأ بمرحلة التشاور (كما دعي إليها KNK) بُغية حلحلة تعقيدات الوضع الحالي ومُكرِّسات الانقسام أو مانعة الوحدة الوطنية، ويتم التركيز على معالجة مختلف المواد الخلافية وفق الصيغ التوافقية، واستنادا إلى مبدأي التوازن و التوازي ضمن عملية (تدريجية وتراكمية) في تنفيذ ملفات الرزمة الوطنية الشاملة، بدءً من كل جزء من أجزاء كردستان، وانتهاءً بمستوى التمثيل ومهمات المؤتمر الوطني والمرجعية السياسية الكردستانية العليا.

ما تم اثباته اليوم بأن الكرد أيضاً بمستطاعهم أن يحلّوا قضيتهم؛ ويمكن لأصدقاء الكرد الإقليميين من شعوب المنطقة (العرب والفرس والترك وغيرهم) والدوليين أن يسهموا في ترسيخ هذا الحل وتوطيد أركان السلام والأمن المجتمعي حتى تحقيق شرق أوسط ديمقراطي؛ أولى مهمات هذا الشرق الديمقراطي أن يقوم بأدواره الحضارية والمكاملة والتتاميّة مع الأسرة الدولية قاطبة على قاعدة أن الحضارة العالمية كليّة من أجزاء تشكل الكل؛ وتقويّه وفق مفهوم العصرانية الديمقراطية.

مستشار الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي سيهانوك ديبو