الاتصال | من نحن
ANHA

الموصل بحاجة إلى تحرير ثاني-2

تحليل

تحرير الموصل الأول والثاني

سيهانوك ديبو

مركز الأخبار – الموصل محطة من محطات التغيير في عموم الشرق الأوسط، ولهذا من المحتمل ان يدوم التحرير الثاني للموصل 4 أعوام، فمسألة الموصل الأساسية متعلقة بالتحرير الثاني أي ما بعد المرحلة الداعشية.

انتهت معركة الموصل الأولى في التاسع من تموز الحالي بخسران داعش من قبل المتحالفين ضدها. من المرجح أيضاً أن يستمر التحرير الثاني أي المتعلق بالشأن الذي سيبدو فيه الموصل ما بعد داعش إلى أربع سنوات قادمة من الآن. تبدو الموصل محطة من محطات التغيير في عموم الشرق الأوسط ومفصلاً يتم الارتكاز عليه حين تدوير الخرائط الجديدة التي تحل بشكل تراكمي متدرج في الشرق الأوسط.

لا يمكن لأحد أن يجاهر اليوم بأنه ضد عملية/ عمليات تحرير الموصل بمن فيهم تركيا التي تمثل اليوم كما سابقها منذ مئة عام منصرمة استراتيجية داعش ويبدو بأن هذه الاستراتيجية ليست سوى تكتيكات متناقضة ستسكن حينما تجد تركيا نفسها قد تقلصّت جغرافياً بعد تمدد جغرافي محتمل لها. وبمن فيهم جزأين من داعش الذي يتحول اليوم بدوره إلى ثلاثة أجزاء؛ قادة داعش ومقاتليه الذين وصلوا بطريقة أو بأخرى وفي فترة وجيزة إلى الرقة ودير الزور ومناطق أخرى من بعد دق طبول الحرب عليها منذ أيلول العام الماضي. ويلزم داعش أن يكون فيه موجوداً أو أن يتماهوا مع رمل الصحراء كما السابق حتى يتم استنطاقهم مرة أخرى حين اللزوم. أمّا جزأيه الآخرين (العشائري الحاضن لداعش طيلة أكثر من سنتين وما قبله كمتلقفين لفكر أبو مصعب الزراوي) و(العامّة المواصِلة؛ أهل موصل العوام الذين لم يجدوا سوى المبايعة لداعش أو التبييع له غرض عدم الهجرة أو القتل أو التنكيل) فإنهما أي هذين الجزأين يبدوان منذ لحظة (الصفر) في هيئة المُنْفَكِّ من داعش.

وبحسب حَمَلَةِ أغلب الأجندات المرفوعة والمُرفرِفة على (غالبية) بنادق المحررين فإما أن تحترق الموصل لكثرة الطباخين -بعد حرقها بالأساس من قبل داعش- أو يتم الاحتكام إلى مستقبل التاريخ؛ وهذا يلزمه كما أشرنا إلى أربعة أعوام؛ أقل بقليل؛ أو أكثر بقليل.

لماذا تحترق المدن؟

الإنسان السياسي السويِّ الذي ابتدأ كقاطف ثمار ثم كصيّاد ثم كمزارع؛ كان لا بد له أن يتوقف عند ذلك وإنْ فاق الأمر قدرته كان لا بد له أن يُبْقي تلك المرحلة مركزية، وقد كان له أن يفعل ذلك أي لا يسمح أن تتحول تلك المجتمعات/ الكِلّانات إلى مدن؛ إنما؛ أعداد هائلة من القرى حواضن المجتمع السياسي الأخلاقي. أمّا هدف الدولة يصبح، على الصعيد العام، حكم المدينة المبنية بحيث يتَّجه جميع مواطنيها نحو الفضيلة؛ فإنها مقولة لم تلامس واقع الفضيلة والهدف إليه، ويحق النظر إليه اليوم بالكثير من التشكيك حتى لو كان قائل ذلك هو سقراط. لأن كينونة المدن وسلطوية الدولة التي ابتدأت من المدينة هي نفسها منْ تُجْهِرَ على حرقها؛ أكثر من تسعة آلاف مدينة تم حرقها عبر هذا التاريخ الدموي من نيرون إلى هولاكو إلى تيمور لنك إلى هتلر إلى صدام إلى الهتلر الحديث/ أردوغان وجميع من يشبهونهم. أمّا الأخير فيظهر كقاتل ويبغي من تحرير مدينة الموصل حرقاً لها؛ ظناً منه وهراءً به أنّ بإمكانه حرق مشروع الحل الديمقراطي للشرق الأوسط بكل قضاياه الواجبة حلها ومن ضمنها القضية الكردية سواء في في إيران وفي كلاً من العراق وسوريا وبالتالي إلى عُقِر خلافته/ الدولة العثمانية.

ولأن الذي صار قد صار، ولكي لا نبدو بمظهر الرَّفَضةِ المطلقين، وكي تبدو الأمور بدون استعصاء فإن تنظيم المجتمع وتحويله إلى مئات من المؤسسات وآلاف الكومينات سيقطع الطريق أمام أي احتراق يُضمره قُطاع الطرق ومعرقلي الحلول كما حال أردوغان الذي تحول اليوم من داعشي قبل تحرير الموصل إلى عثماني داعشي بعد تحرير الموصل  والرقة بكل ما ينجم عنها من متغيّرات لقواعد اللعبة السياسية التي ستستقر على رأيٍّ في نهاية الأمر بعد أن تختفي أسماء لجغرافيات تم استحداثها قبل مئة عام منذ هذه اللحظات دون ورغماً عن الشعوب.

بعيداً عن تفسير المؤامرة الذي نعيش اليوم في أصيله، لكن من الخطيئة أن يتم تفسير الأزمة في الشرق الأوسط على أنها حرب بين الشيعة والسنة، وأن يتم تفسيرها على أنها حرب بين القوميات، وأن حق تقرير مصير الشعوب في الشرق الأوسط يهدد أمن واستقرار شعوباً معينة. أو يتم تفسير التاريخ من النقطة الخطأ في اللحظة الخطأ؛ كما حال العثماني قبل خمسمائة عام والذي يظهر اليوم متشبثاً بالموصل طمعاً منه بالتوسع منعاً للتغيير القادم أو محاولة منه بأن سيُفشِّل مشروع الإدارات الذاتية الديمقراطية لروج آفا- شمال سوريا؛ مجرد كان له موطئ قدم في تحرير الموصل ولو عن طريق المشاركة من سمائها. ومصير هذه المحاولة كما حال السنوات الخمس ستكون الفشل.

مسألة التحرير الأوليّ لمدينة الموصل انتهت؛ خاصة بعد تجاوز الاختناقات الأولى التي حدثت حيال كيفية البدء والتي تعود بدورها إلى تركيا كمعرقل أساسي ومسؤول أساس عن هذه الاختناقات بالتشارك مع بعض من الأنظمة الإقليمية الاستبدادية التي تشبهها. لكن مسألة الموصل الأساسية متعلقة بالتحرير الثاني أي ما بعد المرحلة الداعشية وهذا هو السؤال. ربما الأنظمة الاستبدادية التي ساهمت في تشكيل داعش أو التي كانت المسؤولة الحاسمة عن انتصارات داعش بالأساس؛ فستبدو هذه الأنظمة مُجانِبة لبعضها في مواجهة بعضها الآخر بمفاد المزيد من الاستبداد تجاه شعوب الشرق الأوسط برمتها؛ من بينها الشعوب التي حجزها النظام المهيمن قبل مئة عام وكانت الأنظمة الاستبدادية مجرد سجّانة لها.

تبدو شعوب الشرق الأوسط؛ وبالأخص شعب سوريا بكل مكوناته بعيون متوسِّعة وتتوسع أكثر بسبب المرور الكثير على الذي يحدث أمامه من مشاهد وتموجات: نظام استبدادي؛ معارضات في أغلبها دون برامج ورؤى تلامس الحل؛ تنظيمات إرهابية كما داعش والنصرة/ فتح الشام…. ومن يرتبط بهما؛ أجندات إقليمية ومنفذيها من غالبية الأطراف؛ أجندة ما ورائية دولتية. من المؤكد بأن العيون الواسعة رأت وترى كل ذلك ورأت أيضاً ما يحدث في الجزء المهم من الوطن السوري/ روج آفا- شمال سوريا ومشروع الحل المتمثل بالفيدرالية الديمقراطية؛ بالرغم من التعب البادي عليه جميع السوريين.

(د ج)

ANHA