الاتصال | من نحن

الموصل .. القصة كاملة على لسان من عاشوها – 1

ملف

كيف سقطت الموصل ؟

دلسوز دلدار – روكن بري

حسكة – لا يزال سقوط مدينة الموصل التي يبلغ تعداد سكانها قرابة مليوني نسمة، في يد مرتزقة داعش، يثير الكثير من إشارات الاستفهام، فكيف لمدينة عراقية كبيرة يتواجد فيها عشرات الآلاف من الجنود ومطار عسكري أن يسقط بين ليلة وضحاها.

مدينة الموصل وهي مركز محافظة نينوى وتقع شمال العراق على ضفاف نهر دجلة، وتعتبر المدينة العراقية الثانية بعد بغداد من حيث تعداد السكان، احتل مرتزقة داعش الجانب الأيمن منها في 9 حزيران/يونيو عام 2014 وفي اليوم التالي سقطت المدينة كاملة بيد المرتزقة بعد فرار الجيش العراقي منها دون مقاومة وتركه لأسلحته ومعداته الثقيلة خلفه.

لاجئ عراقي من أبناء مدينة الموصل (م ح)، فضل عدم الكشف عن اسمه لضرورات أمنية، التجئ إلى روج آفا قبل نحو شهر من الآن ويقطن حالياً في مخيم الهول، تحدث عن مدينة الموصل وأسباب سقوطها في يد مرتزقة داعش وما تعرض له الأهالي على يد داعش وكذلك أهمية الموصل بالنسبة لداعش والدعم التركي لهم.

وفي هذا الملف سوف نسلط الضوء على كيفية سقوط الموصل، بحسب ما سرده الشاهد الذي جاء إلى روج آفا عقب إعلان الحكومة العراقية بدء معركة تحرير الموصل في 17 تشرين الأول من عام 2016.

وقبل التطرق لذلك من المهم معرفة كيفية تطور داعش في العراق، فداعش في بدايته بالعراق كان يسمى الدولة الإسلامية في العراق، وبدأ تكوينه في 15 تشرين الأول عام 2006 بعد اجتماع مجموعة من الفصائل ضمن معاهدة حلف المطيبين وتم اختيار “أبو عمر البغدادي” زعيماً له، وبعد مقتل أبو عمر البغدادي في 19 نيسان عام 2010 أصبح أبو بكر البغدادي زعيماً لهذا التنظيم، ومع بدء الأحداث في سوريا تشكلت جبهة النصرة لأهل الشام أواخر عام 2011 وفي 9 نيسان 2013 أعلن أبو بكر البغدادي دمج النصرة مع دولة العراق الإسلامية تحت مسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) لتنفصل عنها لاحقاً وتعلن ما يسمى بـ “دولة الخلافة” يوم 29 حزيران/يونيو عام 2014، أي بعد 20 يوم من احتلالها لمدينة الموصل، وأعلنت مدينة الرقة السورية عاصمة لدولتها المزعومة والتي كانت تحتلها منذ منتصف عام 2013.

أحداث دموية سبقت سقوط الموصل

قبل سقوط مدينة الموصل بحوالي 6 أشهر، كانت المدينة تشهد يومياً أحداثاً دموية، فهي كانت تتعرض لتفجيرات، وكانت عمليات الاغتيال والقتل المتعمد بحق المدنيين وأفراد الدولة كثيرة، هذه الأحداث شكلت بداية معاناة أهالي الموصل، حيث كان الجيش منتشراً في كافة مداخل أحياء الموصل، ورغم ذلك فإن الجيش العراقي لم يكن مسيطراً بشكل كلي على المدينة.

وكان يقف خلف تلك الأحداث الدموية خلايا مرتزقة داعش التي كانت متغلغلة داخل المدينة، وكانت تجبي الضرائب من أصحاب المحلات التجارية والمقاولين الذين يعملون لصالح الدولة، فالمقاول لم يكن يستطيع فعل أي شيء دون أخذ الاذن من داعش، ربما لم تكن حركة المرتزقة ظاهرية ضمن المدينة، لكن كانوا يعملون في الخفاء، حيث كانوا يرسلون خبراً للمقاولين بأنه لا يمكن فعل أي شيء دون موافقتهم.

تقاعس أفراد الجيش في القيام بواجباتهم

حركة داعش ضمن المنطقة لم تقتصر على ذلك، فكل من كان يتفوه بكلام ضدهم، كانوا يرسلون له تهديداً مباشراً بقتله، حيث كانت حركة داعش قوية ذلك الوقت رغم أنه لم يعلن عن تواجده بشكل رسمي في المدينة، ونتيجة عجز القوات العراقية عن توفير الأمان في المدينة، بدأت موجة المظاهرات في الموصل مما تسبب في زيادة سوء الوضع الأمني بالمنطقة، وكثرت الاغتيالات والمفخخات، وسط تقاعس من أفراد الجيش من القيام بواجباتهم، فالجندي العراقي لم يعّد يأمن على حياته من المدنيين ضمن المدينة، نظراً لتخوفه من حالات القتل المنتشرة والأجواء الأمنية المتوترة التي شهدتها منطقة الموصل في تلك الفترة، مما أدى إلى حدوث الكثير من الانقسامات في مؤسسات الدولة.

أحد أشقاء (م ح) كان يعمل شرطياً، قتل أثناء تأديته لواجبه، بالرغم من أنه لم يكن له خلفيات سياسية، فقط لأنه كان يعمل شرطياً تم قتله، ففي ذلك الوقت تأزم الوضع كثيراً في الموصل، لذا فإن أفراد الدولة لم يعد يؤمنون على حياتهم، فإذا غفل شخص عن نفسه كان يتعرض للاغتيال، لذا سئم الشعب من هذا الوضع الذي كان تمر به الموصل، وسط تقاعس الدولة عن توفير الأمن للشعب.

وماذا زاد الأمر تعقيداً هو عدم قدرة الدولة الاستجابة لمطالب الشعب بتوفير الأمن كون الجهة التي تقاتلها مخفية، ولا يكون القاء القبض على شخص خيطاً للوصول إلى باقي أفراد داعش في المدينة، كون المرتزقة شكلوا مجموعات منفصلة عن بعضها ولا يعرف أعضاء المجموعات بعضهم البعض لكي لا يتم الكشف عن باقي المجموعات إذا تم إلقاء القبض على أفراد إحدى المجموعات، وهذه الخطة التي كان داعش يتعبها في المدن كانت معقدة جداً ولم يكن أحد يستطيع التعرف على الآخر.

اللعب على الوتر الطائفي والمذهبي 

وللسيطرة على هذا الوضع، بدأ الجيش باقتحام المنازل ومداهمة أقضية الموصل، وعليه استغل المرتزقة مشاعر الناس الذين كان غالبيتهم من السنة، في ظل سيطرتهم على أكثرية الجوامع في المنطقة، وباتوا يروجون بين الأهالي خلال الخطب في الجوامع وخلال الاعتصامات بأن ما يحصل في العراق هي حرب طائفية بين الشيعة والسنة.

وهذا ما أحدث احتقاناً لدى الشعب ضد الدولة، وما أزم الأمور أكثر هي تصريحات رئيس الوزراء في ذلك الوقت نوري المالكي عندما قال “بيننا وبينهم بحر من الدم” إشارة إلى مرتزقة داعش، وهذا ما استغله المرتزقة وبينوا للناس بأن هذه التصريحات موجهة إلى السنة، وذلك لخلق ردود فعل مناهضة ضد الدولة، بهدف كسب الأهالي إلى جانبهم.

فبعد موجة الاحتقان التي أججها داعش في نفوس أهالي الموصل، بات داعش يستعد لإظهار نفسه في الموصل بشكل علني ولكنه كان يحتاج إلى شرارة، لذا عمد إلى استقدام مرتزقته من الجزيرة.

ماهي الجزيرة ؟

والجزيرة هي المنطقة الممتدة بين أقضية الموصل بدءاً من بعاج وصولاً إلى الحصيبة والحديثة وحتى قضاء بيجي، وهي منطقة واسعة جداً، لذا يسمي العراقيين هذه المناطق بـ “الجزيرة”.

المرتزقة الذين استقدمهم داعش من الجزيرة كان جميع أمرائها قد خرجوا من سجون الدولة حديثاً في منطقة تكريت وغيرها، وذلك بعد أن سيطر داعش عليها واللذين كانوا متهمين في جرائم القتل والخروج باعتصامات، وأعدادهم كانت تزيد عن أكثر من 5000 آلاف شخص.

وهؤلاء الأشخاص عندما كانت هوياتهم تكشف من قبل الأجهزة الأمنية، كانوا يفرون إلى منطقة الجزيرة، حيث داعش كان قد جهز عتاده وسياراته في تلك المنطقة، وفي بعض الأحيان كانوا يهاجمون أقضية الموصل، ويشتبكون مع الجيش لساعات قليلة ومن ثم ينسحبون.

داعش كان متغلغلاً في كافة دوائر الدولة والمدن، حيث كان له علّم بأي هجوم محتمل للجيش العراقي على مواقعهم في الجزيرة، وكون منطقة الجزيرة كبيرة جداً، لم يكن بمقدور الدولة السيطرة عليها بشكل جيد، وهذا كان يساعد داعش في التحرك بسهولة داخل المنطقة.

بدء ساعة الصفر

مع بدء ساعة الصفر لهجوم المرتزقة على الموصل يوم 6 حزيران/يونيو من عام 2014، وبحسب المعلومات المحلية التي راجت في المنطقة، فإن 400 مرتزق من داعش فقط هاجموا مدينة الموصل، حيث هاجموا الموصل من منطقة العبور، والتي تعتبر إحدى البوابات الرئيسية لمداخل مدينة الموصل، حيثُ دخلوا إلى حي التنك وهذا الحي يشتهر بالمباني العشوائية، وخاصة أن هذا الحي كان حاضنة شعبية لمرتزقة داعش ومحاذية لسلسلة الجبال، قبل أن يوسع المرتزقة من رقعة سيطرتهم، لتمتد إلى الأحياء الخلفية من الموصل، وهي منطقة اليرموك والجديدة، فيما المنطقة التي شهدت فيها اشتباكات ضارية كانت منطقة 17 تموز والتي استمرت فيها الاشتباكات لمدة يومين متتاليتين.

وبعد سيطرة مرتزقة داعش على منطقة 17 تموز، انهار الجيش العراقي كلياً في مدينة الموصل، واستيقظ الأهالي صباح يوم 10 حزيران فلم يروا أي أثر للحكومة في المدينة، والمراكز كانت خالية وكان الأهالي ينهبون الأسلحة منها، فيما بقي المساجين وحدهم محبوسين في زنزاناتهم.

الحاضنة الشعبية للمرتزقة هي التي ساعدت في انهيار الموصل

الحاضنة الشعبية لمرتزقة داعش هي التي ساعدت في انهيار مدينة الموصل بهذه السرعة، فمع هجوم المرتزقة على المدينة، ساعدت الخلايا النائمة المرتزقة المهاجمين في إسقاط المدينة، ولكن ساعده في ذلك الانهيار السريع للجيش في المدينة رغم تحصيناته في مداخل ومخارج مدينة الموصل.

سقوط الموصل لم يقتصر على سقوط المدينة فقط، بل سقطت خلفها جميع أقضية الموصل بالإضافة إلى سقوط محافظة صلاح الدين في اليوم الثاني من انهيار مدينة الموصل، فيما لم يبدي الجيش أي مقاومة تذكر لردع هجمات المجموعات المرتزقة.

(ك)

ANHA