الاتصال | من نحن

الموصل .. القصة كاملة على لسان من عاشوها – 2

ملف

جرائم الإبادة الجماعية في الموصل وتكريت

مرتزقة داعش يحولون حياة من احتضنهم إلى جحيم

دلسوز دلدار- روكن بري

حسكة – بعد سقوط الموصل في يد مرتزقة داعش، تيقن سكان الموصل بأنهم قاب قوسين أو أدنى لنيل حريتهم، لكن المرتزقة حولوا حياتهم إلى جحيم، وباتوا في حسرة الأيام  التي مضت، ولكن لم يعد الندم كافياً ومازالوا يدفعون ثمن احتضانهم لداعش.

في هذا الجزء من ملف الموصل سيتم تسليط الضوء على ممارسات مرتزقة داعش بحق الأهالي. اللاجئ العراقي (م ح) الذي عاش الأحداث وفقد أحد اشقاءه بانفجار لغم زرعه مرتزقة داعش وأحد أبناءه نحراً على يد المرتزقة أيضاً روى ممارسا المرتزقة بحق سكان الموصل.

ففي بداية احتلال مرتزقة داعش لمدينة الموصل، بدأ المرتزقة بتنظيف المدينة من الحواجز الأمنية، وفتح الطرقات وغيرها من الأمور التي لاقت الاستحسان لدى الأهالي الذين باتوا يعتقدون بأنهم تخلصوا من حالة الخوف والمداهمات التي كانت تحصل داخل المدينة يومياً من قبل الجيش العراقي، وبذلك تحول نصف سكان المدينة إلى حاضنة لمرتزقة داعش.

لكن بعد شهر من احتلال المرتزقة للمدينة، باتت الحاضنة الشعبية لداعش تقل داخل المدينة، لأن مرتزقة داعش استهدفوا كل من كان يعمل مع أجهزة الدولة سابقاً مثل الضباط والمرشحين والعاملين في مؤسسات الدولة، حتى أن أعضاء مفوضية الانتخابات في المدينة لم يسلموا من الاعتقال، وطلبوا منهم التوبات أو الباجات.

ما هي التوبات أو الباجات ؟

وهي عبارة عن بطاقة تشبه البطاقات الشخصية، تضم معلومات مفصلة عن الشخص، مثل الاسم، مكان الاقامة، مكان العمل وغيرها من المعلومات، وتحفظ هذه المعلومات في حواسيب خاصة لدى المرتزقة.

تخيير المسيحيين بين دفع الجزية أو الهجرة

الخطوة الثانية التي أقدم عليها مرتزقة داعش، كانت التصفية العرقية بحق الديانات الأخرى، حيث جرى تصفية  الإيزيديين في شنكال، ولكن المسيحيين في الموصل تم تخييرهم بين دفع الجزية أو الخروج من المدينة، وتم منح مهلة 15 يوم لهم.

وبعد انقضاء المهلة، اراد مرتزقة داعش طرد المسيحيين من المدينة ولكن هذا لم يكن بالأمر السهل، كون أهالي المدينة كانت تربطهم علاقات جيدة، لذلك ركز المرتزقة في خطب الجمعة على المسيحيين وأطلقوا عليهم اسم النصارى، وبدأوا بشرح أسباب التهجير وتعليلها بأن ما يطبق في الموصل هو الشريعة الاسلامية وعلى النصارى دفع الجزية أو اعتناق الدين الاسلامي ولكن مسيحي الموصل رفضوا الأمرين، لذلك وجب إخراجهم منها.

ولم يكتفي المرتزقة بإخراج المسيحيين من المدينة، بل نهبوا ممتلكاتهم، وحتى أثناء  خروجهم أخذوا منهم كل الأموال التي كانت بحوزتهم.

الخطوة التالية عمليات إعدام في الشوارع والساحات

بعد طرد المسيحيين من المدينة، بدأ مرتزقة داعش باستهداف العاملين في مؤسسات الدولة، فكل من لم يكن معهم كان يعتبر تهديداً لهم، لذلك اعتقلوهم والعديد منهم تم اعدامهم في الساحات العامة أمام الشعب ومنهم من تم اعدامهم في الخفاء.

وإلى جانب ذلك، منع المرتزقة عامة الناس من التدخين، ومنعوا الأهالي من ارتياد الغابات الموجودة بين الموصل وأقضيتها (منع التنزه)، وأبلغوا الأهالي بضرورة إطالة اللحى وتقصير  الألبسة.

الشبان انضموا بكثرة في البداية ومن اراد الخروج أعدموه

في بداية احتلال مرتزقة داعش للمدينة، انضم الشبان بكثرة لكونهم كانوا يؤمنون بالطريقة النقشبندية وشكلوا كتائب سنية ضمن صفوف داعش، وبعد أن رأوا حقيقة داعش اردوا الخروج، ولكن كان الاعدام بانتظارهم، فأحد أولاد عمومة اللاجئ (م ح) من الشبان تم إعدامه في الساحة العامة لهذا السبب. وما أن زادت عمليات الاعدام، حتى خاف الشبان وتوقفوا عن ذلك.

فرض السيطرة التامة على المدينة

وبعد ذلك نشر المرتزقة من نطاق سيطرتهم في المنطقة، ومنعوا الخروج نحو المناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية، وباتت الأمور تتأزم أكثر من ذي قبل، وخاصة بعد انتشار ظاهرة الإعدامات، وبدأ المرتزقة بتطبيق قوانينهم على الشعب، وافتتحوا دوائرهم في المدينة.

وازدادت وتيرة الاعتقالات بحق الأهالي حتى باتت تشمل الفئة الحاضنة لداعش، لذلك دب الخوف والهلع في نفوس أهل الموصل، وخاصة من دورياتهم المستمرة وانتشارهم المكثف داخل المدينة، لذا بأت الاهالي يتخوفون من ارتكاب المجازر بحقهم مثلما حصل بحق الشعب الإيزيدي، فيما وضع المرتزقة نقاط إعلامية داخل المدينة في الاسواق والاماكن المزدحمة، حيث وضعوا شاشات عملاقة وأظهروا للأهالي عمليات القتل البشعة التي كانوا يرتكبونها.

هذه المناظر البشعة التي كان يعرضونها لم تكن في حسبان الأهالي، وبعد فتح المرتزقة لمؤسساتها الامنية والمدنية ضمن المدينة، بدأت بتوزيع جميع عقارات الأهالي الغير موجودين داخل الموصل لمرتزقتها، وكتبوا على الجدران بأن هذه العقارات تابعة لما يسمونها بـ “دولة الخلافة”، وفي ذلك الوقت كان أغلب سكان الموصل فروا من المدينة، لذا فإن نسبة كبيرة من عقارات الموصل استولى عليها المرتزقة.

وبعدها أغلق المرتزقة الكازينوهات والنوادي الليلية في المدينة، إلى جانب حظر تشغيل الاغاني الغير دينية، وخلقوا أزمة نفسية حادة في نفوس سكان الموصل، وخاصة أنهم صعدوا من عمليات الاعدام أمام الاهالي، مما تسبب بصدمة كبيرة لسكان المنطقة، وخاصة المنتسبين من أهالي الموصل الذين كانوا مصدر المعلومات بالنسبة للدولة العراقية.

ولم تقتصر ممارسات مرتزقة داعش على هذا الحد فقط، بل تدخلوا في الحياة الشخصية للأهالي، حيث أبلغوا النساء بلبس البرقع ‘‘النقاب’’، فمثلاً المرأة التي تخرج إلى الاسواق ويدها مكشوفة يتم محاسبة ولي أمرها بعقوبة الجلد أو دفع غرامة مالية، أما الرجال فأمروهم بقصر الكلاليب وارتداء الملابس التي تتطابق مع قوانين المرتزقة.

ونتيجة هذه الممارسات أراد الأهالي الخروج من المدينة، لكن المرتزقة منعوهم، وبذلك بات الأهالي سجناء داخل المدينة.

القصاص بحق لمن يود تهريب الأهالي خارج المدينة

في البداية كانت عملية الخروج من المدينة خلسةً سهلاً نوعاً ما، حيث من كان يود الخروج من المدينة كان المرتزقة تسلبه جميع أمواله ويعود أدراجه نحو المدينة مرة أخرى فيما المهربون كانوا المرتزقة يفرضون عليهم عقوبة السجن لفترة وبعدها يطلقون سراحهم، لكن في الآونة الاخيرة أصدر المرتزقة تعميماً للمهربين ينص على أن كل من يود تهريب الاهالي إلى خارج المدينة، سوف تكون عقوبته ‘‘القصاص’’، مما ادى إلى ارتفاع أسعار عملية التهريب.

كما أن نسبة كبيرة من الاهالي الذين كانوا يودون الفرار من المدينة كان يتم إلقاء القبض عليهم في منازلهم، كون المرتزقة كان لديهم أجهزة استخبارات قوية.

الاسواق كانت تحت سيطرة المرتزقة

جميع الاسواق في المدينة كانت تحت سيطرة المرتزقة وهم من كانوا يديرونها، فمثلاً المحروقات كانت تأتي من سوريا، ونوعية مادتي المازوت والبنزين كانت سيئة جداً، لأنها كانت تستخرج عن طريق الحراقات البدائية.

ونسبة كبيرة من سكان الموصل كانوا يعملون يومياً من أجل كسب قوتهم اليومي، وفي ظل الحصار المفروض عليهم وسيطرة المرتزقة على مفاصل الحياة، ساءت حالة الأهالي كثيراً ولم يعد بمقدور أحد العيش في ظل تلك الظروف الصعبة.

هذه الحالة البائسة التي مر بها سكان الموصل، جعلتهم ينفرون من المرتزقة، حتى ان  الذين كانوا يعملون كاستخبارات لدى داعش من الأهالي، لم يعد ينقلون لهم المعلومات  حول ما يجري داخل المدينة، ووصل الأهالي إلى مرحلة اليأس وصار الحقد يملئ  قلوبهم، حتى أن المرتزقة أنفسهم باتوا يعترفون بأنه لم يعد  لهم حاضنة في المدينة. وبات الاهالي يناشدون الحكومة العراقية للهجوم على الموصل وتخليصهم من المرتزقة حتى لو كلفهم ذلك أرواحهم جميعاً.

معاناة سكان أهل الموصل لازالت مستمرة حتى يومنا الراهن، ومع بدء عمليات التحرير منذ 17 تشرين الأول المنصرم لايزال سكان الموصل ضحية الصراع الدائر في العراق، وسط نزوح ولجوء قرابة 60 ألف مواطن عراقي من منطقة الموصل وفق الاحصائيات التي نشرتها منظمات حقوق الانسان العراقية، نحو المناطق العراقية الأمنة أو اللجوء نحو أراضي روج آفا، وحتى في هذه المحنة المصيرية لايزالون ضحية المنظمات الانسانية، حيث فقد العديد منهم حياتهم نتيجة البرد القارس ببقائهم في العراء دون مأوى.

(ح)

ANHA

غداً: أهمية الموصل لداعش والدعم التركي