الاتصال | من نحن
ANHA

المعارضة السورية ما بين الثورة والأزمة

تحليل

 نوروز عثمان

 عفرين – مع ازدياد القمع والاستبداد للأنظمة الحاكمة في معظم بلاد الشرق الأوسط انطلقت أولى شرارات ثورات ربيع الشعوب أوائل عام 2011  في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا،  إلا أن معظم تلك الثورات خمدت مع خمود روح المعارضة التي بدأ بها خيرة شبان وشابات سوريا بعد ظهور الجماعات المتطرفة لتتحول تلك الثورات إلى ثورات مضادة عن طريق حرف المعارضة عن مجراها.

أين، كيف ومتى ظهرت المعارضة السورية ولماذا أخفقت

ظلت سوريا خاضعة لحكم قانون الطوارئ منذ عام 1963 عندما استولى حزب البعث على السلطة في انقلاب عسكري. وكان على رأس الدولة منذ عام 1971 أحد أفراد عائلة الأسد. وفي أثناء فترة تولي حافظ رئاسة سوريا، منذ عام 1980، تم حظر أي  معارضة لنظام البعث، وتم إنشاء خمس هيئات أمنية رئيسية لتعمل بصورة أساسية على مراقبة المعارضة السياسية، وتعني دولة الطوارئ محاكمات عسكرية وتطبيق القانون العسكري والمحاكمات الخاصة للقضايا السياسية دون اعتبار حقوق الإنسان أو عملية التقاضي الطبيعية.

وكان السجناء يعذبون بصورة دورية ويتحفظ عليهم في ظروف مزرية. عقب وفاة حافظ الأسد في يونيو من عام 2000، تم تنصيب ولده بشار رئيساً لسوريا.

المعارضة، هو مصطلح يطلق على قوى مضادة أو معارضة لقوى أخرى. بتاريخ 15/آذار من عام 2011 اندلعت شرارة الثورة السورية في محافظة درعا لتمتد إلى دمشق، حماه، حمص، إدلب وباقي المحافظات السورية.

وعندما اندلعت ثورات الربيع العربي، بدأ المتظاهرون السوريون في تشكيل ائتلافات معارضة وظهر ضمن هذه الثورة شخصيات وتيارات سياسية معارضة عدة إلا أنها بدأت بالتقلص على مدار السنوات الستة الماضية نتيجة الخلافات والسياسات المتبعة  تجاههم.

فالمعارضة عامة مصطلح شامل للمجموعات والأفراد الذين يطالبون بتغيير الأنظمة ويعارضون حكومة البلاد.  فقد تشكلت جماعات معارضة في سوريا عام 2011 عقب الأزمة السورية، حيث تشكل على الجانب السياسي والعسكري وتوحدت تلك الجماعات لتشكيل الائتلاف الوطني السوري . ولقد اعترفت بالائتلاف الوطني السوري دولة واحدة على الأقل وهي ليبيا. وتشكل فيما بعد في شهر نوفمبر عام 2012 مجموعة معارضة شاملة جديدة تحت اسم الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية اعترف به مجلس التعاون الخليجي كـ “الممثل الشرعي للشعب السوري” وباعتباره “ممثل طموحات الشعب السوري” لدى جامعة الدول العربية.

ومع تشكل القوى السياسية المعارضة؛ بدأ تشكيل قوى عسكرية تحت اسم الجيش السوري الحر المكون من الضباط والشخصيات المنشقة من جيش السوري- جبهة النصرة أو جبهة فتح الشام، تم تشكيلها أواخر سنة 2011 بقيادة أبو محمد الجولاني، وأصبحت في غضون أشهر من أبرز القوى المعارضة المسلحة للنظام السوري لخبرة رجالها وتمرسهم على القتال. تبنت المنظمة عدة هجمات انتحارية في حلب ودمشق. كما تعتبر ذراع تنظيم القاعدة في سوريا، البيان الأول الذي أصدرته في 24 يناير/كانون الثاني 2012 دعت فيه السوريين للجهاد وحمل السلاح في وجه النظام السوري.

تحريف المعارضة وتصفيتها على حساب ثورة روج آفا

إن انقسام المعارضة السورية إلى قسمين كان له دور  بارز في حرف مسار المعارضة السورية في الوقوف في وجه النظام، أي أصبح وجود قوى تمثل معارضتين بدل معارضة واحدة معارضة أصبحت تابعة للدولة التركية والمتمثلة بالائتلاف الوطني السوري و جزء من المعارضة معتدلة تابعة للمشروع الأمريكي وغيرها من القوى الخارجية كالجبهة الشامية فرقة الحمزة و لواء المعتصم.

بعد مرور قرابة عام ونصف على الثورة السورية ، انطلقت  الشرارة الأولى لثورة روج آفا من كوباني، عفرين والجزيرة كثورة شعبية أرادت إسقاط النظام السوري الحاكم.

الهجمات الأولى لما يسمى بالجيش الحر الذي كان يضم ما يقارب خمسين فصيلاً جرت بتاريخ   8-11-2012 على سري كانية ومن ثم تل تمر، شاركت فيها جبهة النصرة، أحرار الشام، كتيبة الفاروق، درع الجزيرة وفصائل أخرى ومن ثم بدأت تلك الفصائل في أواخر 2012 بالهجوم على قرية قسطل جندو التابعة لناحية شرا بمقاطعة عفرين بالأسلحة الثقيلة واستمرت الهجمات والاشتباكات لمدة شهر. وكانت تلك الهجمات تشن من قبل جبهة النصرة وأحرار الشام بدعم تركي.

بالإضافة إلى ذلك طالت هجمات تلك الفصائل التي كانت تحارب تحت مسمى الجيش الحر، الكرد القاطنين في حي الأشرفية بحلب، الحي الذي كان يعد من أولى الأحياء التي ثارت في وجه النظام البعثي في مدينة حلب وحي الشيخ مقصود في شباط عام 2015 ، وشاركت في تلك الهجمات فصائل أحرار الشام، فيلق الشام، غرفة عمليات لبيك  يا أختاه وسلطان مراد باستهداف تلك الأحياء بالإضافة لمقاطعة عفرين في خريف 2015 بالصواريخ محلية الصنع. أي بعد انضمام تلك الفصائل إلى ما يسمى بالائتلاف الوطني السوري.

و الجدير  بالذكر أنه تم إرسال ما يقارب 400 مرتزق كانوا قد خرجوا من دمشق إلى مناطق الشهباء العام الماضي

 من الثورة إلى الأزمة 

 إن أحد الألاعيب والمخططات الرأسمالية والقوى الإمبريالية هو تحويل الثورة إلى ثورة مضادة و ذلك عن طريق تدخلها الخارجي وتحويل تلك القوى إلى أداة تقوم بإفراغ مضامين تلك الثورات و تحريفها و من ثم تصفيتها تدريجياً بهدف القضاء على ثورة الشعوب الثائرة، و هذا ما آلت إليه الثورة السورية بعد تخلي المعارضة عن مطالبها الأساسية للثورة السورية و انجرارها خلف الأجندة التركية و خاصة مع لجوء تلك القوى و الفصائل إلى تركيا (ونقل مراكزهم إلى إسطنبول التركية عام 2013 ) مع العلم أن الائتلاف حاول نقل مركزهم مجدداً إلى مدينة إدلب بعد وقوعها تحت سيطرة جبهة النصرة عام 2014، لكن لم تسمح لهم بالعودة و ذلك لتمرير مشاريعها و هذا ما يجري على أرض الواقع حتى الآن. حيث كان هناك اجتماعات سرية مع الميت التركي وخاصة في مدينة عنتاب كان من أبرز نتائجها هي الاتفاقية بين النظام و الأتراك بداية عام 2016  بنقل فصائل و مرتزقة الائتلاف من المدن السورية كحمص و دمشق وحلب من معبر باب الهوى عبر الأراضي التركية إلى مناطق الشهباء عن طريق باب السلامة .

لعل انطلاقة شرارة الثورة السورية، كانت بهدف تحقيق مطالب ديمقراطية و تغير جذري في واقع النظام و مؤسساته من قبل الشعب السوري؛ لكن ما سمته فيما بعد العديد من المجموعات و الاتجاهات السياسية التي كانت تعمل تحت ظل المعارضة بمسمى “الثورة السورية ” في بادئ، انحرفت عن مسارها عندما تدخلت تركيا في الملف السوري وقامت  بتمرير مشاريعها إلى سوريا عبر المعارضة، الأمر الذي جعل المعارضة تتراجع من محاربة النظام ، والأمر الذي أدى إلى إضعاف المعارضة و تجزئتها و تشتيتها و كل ذلك كان على حساب قضية الشعب السوري، لتتحول تلك المعارضة فيما بعد إلى أداة بيد تركيا والقوى الخارجية المعادية  لمصالح الشعب السوريحيث كلف انحراف المعارضة هذا؛ المزيد من إراقة دماء الشعب السوري و فتح الباب أمام الهجرة و الاتجار بالشعب كما مهدت لشن الهجمات في مناطق كانت و لا تزال آهلة بالسكان الأمر الذي فاقم من الأزمة السورية وأفشل جميع محاولات الحل السلمي سواء في الآستانة أو جنيف.

تصفية المعارضة بدأ من دمشق، فحلب وحمص

سيطرت المعارضة منذ ظهورها عام 2011 وحتى أواخر 2013 ما يقارب 75 بالمئة من مساحة سورية في مختلف المحافظات،  لتتقلص هذه السيطرة  عام 2017 من 75 %  إلى 10% من إجمالي مساحة سوريا و بدأت الاتفاقيات و المصالحات لإخراج المرتزقة من بعض المحافظات السورية  ونقلهم بالباصات الخضراء  وهي :

دمشق –   بتاريخ 26 اب 2016 بدأ إخراج تلك المجموعات من داريا  في ريف دمشق بموجب اتفاقية بين النظام و تلك الفصائل،  ومن ثم امتدت إلى حي البرزة  الذي شهد معارك عنيفة بين الفصائل  والنظام في العامين 2012 و2013 مع اتساع رقعة النزاع المسلح في سوريا، إلى أن تم التوصل إلى هدنة في عام 2014 حوّلته إلى منطقة مصالحة.  و كذلك  تم إفراغ مناطق  الفوعا و كفريا  من ثم القابون، الزبداني وحينها بدؤوا بإخراج الآلاف من عناصر المرتزقة  في إطار ذلك الاتفاق.

حلب – بتاريخ 31   تموز 2016  أطلقت قوات النظام عملية ملحمة  حلب الكبرى ضد الفصائل المتواجدة في أحياء حلب الشرقية , حيث دام الحصار لمدة أربعة أشهر متتالية و كان هذا الحصار حصاراً خانقاً على تلك الفصائل والمدنيين . و من ثم  بتاريخ  15-12 – 2016 بدأت عمليات إخراج المرتزقة من الأحياء  الأخرى من مدينة حلب وعلى إثرها تم إخراج الآلاف من تلك الأحياء بالباصات الخضراء  باتجاه محافظة إدلب.      

حمص – بتاريخ 30   نيسان  2016 تم  إخراج دفعة جديدة من المرتزقة من حي الوعر في مدينة حمص وذلك ضمن اتفاق المصالحة و جلبهم إلى ريف حلب الشمالي.

المشروع الروسي- التركي – الإيراني بمشاركة النظام لتصفية ما تبقى من المعارضة   

دخلت مدينة إدلب بشكل تام تحت سيطرة جبهة النصرة وأحرار الشام في أواخر اذار 2015  بعد 4 أيام من الاشتباكات مع النظام البعثي.

إن زج تلك الفصائل التي كانت تعمل بمسمى المعارضة في محافظة إدلب ليس من باب الصدفة، حيث تم جلب الآلاف منهم من دمشق وحمص وحلب إلى محافظة إدلب ولعل هذا الحدث يشكل محور المخطط الروسي – التركي – الإيراني والنظام  لتصفية ما تبقى من المعارضة داخل إدلب. حيث شهدنا في الآونة الأخيرة مجريات جديدة وسريعة بين جبهة النصرة وأحرار الشام. حيث تقدمت جبهة النصرة في دارة عزة وترمانين و شيخ بركات  مؤخراً على حساب أحرار الشام. و بالتالي تم تصفية أحرار الشام على حساب تقدم جبهة النصرة  هناك.

و يمكن القول بأنه لم يتبقى من المعارضة سوى القليل من الفصائل و المجموعات التي تتمثل بالقوى الثورية (كجيش الثوار، جبهة الأكراد، مجلس الباب العسكري، لواء الشمال الديمقراطي،-  لواء أول مغاوير حمص، جبهة حماية المرأة مناطق الشهباء و قوات العشائر التي تحارب  تلك المجموعات التي تم استقدامها من دمشق وحلب وحمص  إلى مناطق الشهباء (إدلب وأعزاز) على وجه الخصوص و تخوم مقاطعة عفرين. وجزء من جيش العزة وجيش النصر في إدلب وتعتبر من الفصائل المعتدلة.

والآن هناك تطورات جديدة تجري على حدود سوريا و لبنان مؤخراً, أي أن الاتفاقيات الجارية بين حزب الله وجبهة النصرة بإخراج عناصر جبهة النصرة  من قاع وعرسال  اللبنانية تجاه الأراضي السورية وإدلب على وجه الخصوص، مما يزيد التكهنات حول وجود مخطط ما يقضي بإنهاء ما تبقى من تلك  المجموعات التي قامت تركيا ببيعها إلى النظام وروسيا مقابل السماح لمرتزقة تركيا بإعاقة المشروع الفيدرالي في شمال سوريا.

(ك)

ANHA