الاتصال | من نحن
ANHA

الطبقة منذ نشأتها وحتى تحريرها -1

ملف

الطبقة – تشير بعض الدراسات التاريخية والقصص المروية إلى أن الطبقة كانت مخزنا استراتيجياً تجبى إليه الحبوب من الحوض الشمالي والأوسط للفرات ليتم تحميلها على زوارق وتصديرها عبر الفرات نحو الخليج العربي وشبه الجزيرة الهندية وبلاد اليمن وعمان، فما هو تاريخ هذه المدينة والمراحل التي مرت بها؟

1ـ لمحة تاريخية “الطبقة قبل 1968م”

لم تكن الطبقة موجودة كمدينة منذ زمن بعيد لاسيما القسم الجديد منها والمسمى بمدينة الثورة قبل عام 1968 فكيف كانت قبل هذا التاريخ؟ ما كان موجوداً هو القسم القديم والمعروف بالمدينة القديمة أو القرية والتي كانت في البداية قرية صغيرة مؤلفة من عدة بيوت وأراضي زراعية تمتد على الضفة الغربية لنهر الفرات وتتبع تاريخياً لحصن مجاور يعرف بقلعة جعبر.

ما هو تاريخ قلعة جعبر؟ لم يعرف تاريخ القلعة الحقيقي ولكن كل الأدلة تشير إلى أنها تعود إلى ما قبل الميلاد، وأن رجلاً يدعى جعبر بن سابق القشيري رمم القلعة واتخذها مركزا له ولعائلته من بعده حتى سيطر عليها ملكشاه بن ألب أرسلان وهو الملك السلجوقي المعروف سنة 1086م.

لم يستطع الصليبيون السيطرة عليها وقتل على أبوابها القائد عماد الدين الزنكي ليحكم خلفه نور الدين الزنكي قبضته عليها عام 1146م ثم لتقع تحت سيطرة الأيوبيين حتى 1260 حيث سواها المغول بالأرض وأحرقوا ما حولها من الأراضي الزراعية ليستعيدها المماليك الكزخ حتى دخول السلطان العثماني سليم الأول إليها ليلحقها بولاية حلب إلى أن دخلت المنطقة في المشروع الاستعماري الغربي.

وكانت المنطقة، اي حوض الفرات خاصة والرافدين وبلاد الشام عامة تحت أنظار الحليفين اللدودين بريطانيا العظمى والجمهورية الفرنسية من جهة وألمانيا الطامحة من جهة أخرى في سعي لتقاسم إرث “الرجل الضعيف” بقايا الدولة العثمانية المتمزقة بين الداخل المضطرب والخارج المتربص حتى اتفاقية سايكس بيكو 1916 م حيث وقعت الرقة ككل في الجناح الغربي من الهلال الخصيب تحت نفوذ “الانتداب الفرنسي” والذي وضع تقسيمات جديدة ألحق بموجبها جعبر وما حولها بدولة حلب او المنطقة “B”.

وبعد الحرب العالمية الثانية نالت ككل مناطق سوريا الاستقلال ضمن الجمهورية السورية لتطرح الحكومة الوطنية آنذاك مشروعا ضخما في إطار السعي السوري وقتها لولوج العالم المتقدم إلا أن، هذا المشروع تعرض لعراقيل خارجية تمثلت في رغبة الكثير من دول العالم الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية في التدخل بالشأن السوري عبر المشاريع الاقتصادية مثل روسيا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا إضافة إلى الجارتين القويتين تركيا شمالا والجارة البعيدة مصر، أضف إلى ذلك العراقيل الداخلية المتمثلة بالتمويل اللازم وظهور سطوة بعض الأحزاب القومية الساعية للهيمنة على الدولة والتي اجبرت سوريا مع الضغوط التوسعية التركية للحاق بالفكر الناصري ضمن وحدة القطرين المصري والسوري عام 1968م والذي أدى إلى إيقاف المشروع التنموي الضخم بقرار من حكومة الوحدة  .

بعد الانفصال قررت حكومة بشير العظمة السير قدما بهذا المشروع وامرت الوزارات المختصة بإعداد التقارير والتوصيات الخاصة بمشروع سد الفرات والتي ركزت على أهمية العمل لإيجاد بديل للشركة الألمانية الغربية بعد أن ماطلت في البدء في تقديم المخططات لذلك أوفد خالد بيك العظم رئيس الحكومة الجديدة وزير الأشغال العامة آنذاك روبير الياس للتفاوض مع الحكومة الفرنسية والتي سرعان ما رحبت بالقرار السوري وعدته فرصة ذهبية للدخول إلى سوريا اقتصاديا لكن انقلاب حزب البعث أوقف العمل مع بدايته واستمر وضع الدراسات المتعلقة به في غياهب الدروج حتى وجد حافظ الأسد الذي وصل حديثا إلى سدرة السلطة بانقلاب عسكري أسماه “الحركة التصحيحية” فيه فرصة لكسب حليف قوي عالميا يساند ه سياسيا وعسكريا فتوجه به إلى الاتحاد السوفيتي “روسيا الاتحادية” ما فتح الباب أمامه لدعم غير محدود.

وبذلك تم تحول الطبقة من قرية صغيرة نائية إلى مدينة ذات أهمية كبيرة على مستوى المساحة السورية فيما تحولت جعبر إلى شبه جزيرة تحيط بها أمواج بحيرة الفرات من كل اتجاه على طريق ملتوي لا يزيد عرضه عن خمسة أمتار فقط.

2ـ الطبقة من ظل البعث إلى شمس الديمقراطية

اتسمت مدينة  الطبقة في الفترة الممتدة بين عامي 1970 و2000م بالبعثية المطلقة أو “الحافظية” المسيطرة حيث كانت تختلف عن باقي المدن السورية وحتى عن مسقط رأس حافظ الأسد حيث لبست الطبقة عباءة البعث ونصبت تمثال لحافظ الأسد من الجبس كلف وقتها ما يزيد عن 90 مليون ل.س في منتصف السبعينات وامتلأت جدرانها بأقوال “الرفيق المناضل” وزد على ذلك أنها حملت اسم الثورة نسبة لانقلاب حزب البعث أضحت المدينة تعج بالمظاهر  البعثية فالمنازل في المدينة توزع على العاملين (والعاملين هنا هم البعثيون وأبناء الطائفة الأم) واختصوا بالسيارات والمناصب والامتيازات .

لقد كانت المدينة تخلد الانجازات والانتصارات التي لا تنتهي بمسيرات تجوب شوارع المدينة لتطوف بالتمثال او بـ “الصنم” كما كان البعض يحبذ تسميته.

حال أهالي المدينة سارت على ذات الإيقاع حتى الساعة الثانية 10/6 /2000م توقيت إذاعة نبأ وفاة “الرفيق” الذي كان مناضلا والذي تصيّر خالدا في القلوب.

في العاشر من تموز لنفس العام خفت وطأة حزب البعث العربي الاشتراكي مع استلام بشار حافظ الاسد للحكم وبدأت الطبقة تفقد ذلك الزخم الذي تأسست عليه.

في أوائل ربيع سنة 2003 م تزرع السلطة بذور جديدة في تربة الطبقة التي باتت تجف بعيد وفاة حافظ الأسد بزمن قصير وهي الدعوة للتصدي للمشروع الأمريكي في المنطقة تحت اسم (الشرق الاوسط الجديد) الطارق أبواب عراق صدام حسين والذي أضحى شقيقا فجأة بعد طول عداء، لتسمح السلطة بإطلاق الدعوات الجهادية لـ “نصرة الأشقاء العراقيين” وكل ذلك تم تحت أنظار المخابرات وبتسهيلات لم يعرف لها السوريون مثيلا بعد سنوات طويلة من الاعتقالات بتهمة “المنظمات الإسلامية الصهيونية العميلة للغرب” و استمر الوضع على النحو ذاته بعد سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على بغداد في 9/4 /2003م .

ومع انتفاضة قامشلو سنة 2004 أخذ النظام يتهم الكرد لاسيما في قامشلو وعفرين بالخيانة والغدر ويخوّف الشعب العربي وبالأخص أبناء العشائر في الطبقة والمعروفين (بأهل الغمر) ـــ أي الذين غمرت قراهم وأراضيهم ومنازلهم في بحيرة الفرات فعوضتهم لجنة حزب البعث آنذاك بأراض بديلة في منطقة الجزيرة ــــ من المصير المجهول الذي قد ينتظرهم إذا ما استمر الكرد في انتفاضتهم ودعاهم للاستعداد للدفاع عن قراهم هناك لكنه أي النظام لم يلق التجاوب المعول عليه ما جعله يغير من سياساته السابقة.

لقد اكتمل بناء مسجد (فاطمة الزهراء) الخاص بالطائفة الشيعية والذي ما لبث أن توسع شرقا بعد أشهر قليلة ليضم حسينية أيضا وبعد تموز 2006م اي حرب حزب الله اللبناني كما يدعى مع دولة إسرائيل وما وجده الحزب من تأييد شعبي من أكثر الفئات المجتمعية في الطبقة فقد استقبلت المدينة ما يزيد عن العشرين ألف نازح لبناني من الطائفة الشيعية طوال مدة الحرب دون أن تنصب خيمة واحدة رغم غياب دعم الحكومة السورية ضمن مبادرات شعبية متعاطفة.

والجدير ذكره هنا أن سياسة حزب الله اللبناني وقتها لم تكن تجد إلا معارضة بسيطة في الطبقة كدعوة السلفية غير الجهادية وأنصار البعث العراقي أضف إليهم بعض أبناء العشائر المتأثرين بالسياسة السعودية وأصحاب الرأي الخاص من المثقفين المتخوفين من التغول الفارسي ـ الشيعي تحت شعارات المقاومة الرنانة.

باستمرار نمو الدعوة السياسية الشيعية في الطبقة وتسلم المناصب العليا في المدينة من قبل الشيعة أو المتشيعين  وافتتاح جامعة (فاطمة الزهراء عليها السلام  ) وازدياد نفوذ أبو حيدر المسؤول عن الأمور الدينية والثقافية في الطبقة خصوصا المكلف من قبل المرجعية في إيران لتطبيق سياساتها توسعت المخاوف لتتخطى السنة إلى طوائف المدينة الأخرى فظهرت الانتقادات من شخصيات علوية بارزة في المدينة اعتادت السلطة على اختيار الحكومة السورية لشخصية شيعية وهو يحيى سلامة لإدارة عدة مؤسسات برغم من منافسته من شخصيات علوية مقربة من القصر الجمهوري .

واستكمالا لسياسة الهيمنة التي اتبعتها إيران في الطبقة فقد استلم عصام الصافي إدارة المدينة والمعروف بتشيعه علما ان الطائفة الشيعية لم تتجاوز نسبتها في الطبقة وريفها رغم كل الدعم المبذول الواحد بالمئة.

هذه السياسة المتبعة من الحكومة السورية كانت من أبرز أسباب مغادرة مدينة الثورة لحضن البعث في نهاية تشرين الثاني 2011م بعد أن انطلق الحراك الشعبي من درعا جنوب الخارطة السورية ما دفع بقوات النظام للانسحاب من المينة القديمة والتمركز في الأحياء النموذجية ليباشر بحملة القصف الممنهجة واضعا أهل المدينة القديمة المقدر عددهم بـ خمسين ألفا بين سندان المطار العسكري في الجنوب والمدفعية والهاونات المتمركزة في الشمال والغرب رغم أن الأحياء القديمة لم يزيد عدد المقاتلين فيها عن المئة

ولا يحمل معظمهم إلا السلاح الخفيف من نوع (البندقية الروسيةــ كلاشنكوف) واستمر الحال على ما هو عليه حتى شباط/فبراير من ذات العام، حيث شهدت قوات النظام حركات انشقاق واسعة من المجندين وتسرب للسلاح بسبب فساد الضباط الذين أخذوا ببيع قطع السلاح المكدس في المخازن للفصائل المسلحة.

انتهت المرحلة بانسحاب الضباط من المدينة في 11/2/2012 م حيث تمركزت قوات النظام في مطارها العسكري، في هذه الأثناء سيطرت الفصائل على الطبقة بأكملها واحرقت تمثال حافظ الأسد بعد أربعين عام من تربعه على مشارف البحيرة التي نسبت إليه.

لم يدم الوفاق بين الفصائل المنتشية بالانتصار الذي هزّ النظام حتى ظهرت الخلافات على تقاسم تركته، وما زاد الطين بلة هو دخول فصائل من خارج الطبقة جاءت تبحث عن مجد ضائع لم تجد إليه سبيلا.

تفاقمت الأزمة في هذا التوقيت بين فصيل يبحث عن أمجاد شخصية وفصائل تسعى وراء تحقيق نصر لعشيرة على حساب الأخرى وفصائل تتنازع آبار النفط لتصل أعداد الفصائل لأكثر من عشرة (لواء اويس القرني ـ أحرار الشام ـ لواء البراء ـ لواء العزة ـ جبهة النصرة ……).

لقد أثقلت هذه النزعات كاهل أهالي الطبقة في ظل قصف المطار العسكري الذي أسقط ما يزيد عن خمسمائة قتيل وجريح.

في ضوء كل ما سبق كانت قوة جديدة تعمل في الظل تنظيميا واستراتيجيا تسعى لتحكم قبضتها على المرافق الأساسية والخدمية (سد الفرات ـ محطات المياه ـ البلدية ـ الكهرباء ….) التي تركتها الفصائل الأخرى الباحثة عن النفط.

داعش المتمدد من صحراء الأنبار يفرض سيطرته الكاملة على الطبقة في 12/1 /2014م حال جميع الفصائل ضامنا قسما من عناصرها ومصفيا آخرين فيما غادر القسم الباقي فارا بحياته إلى مناطق أخرى أو إلى دول الجوار.

بعد أن استتب الأمر للمرتزقة في المدينة وريفها شن هجومه العسكري الضخم على المطار العسكري الذي كان يمثل آخر نقطة عسكرية للنظام في محافظة الرقة ليحكم سيطرته عليه 23/8/2014م مرت المرتزقة بعدة مراحل:

1ـ سيطرة الكتيبة الجورجية: والتي ضمت (الجورجيين والشيشان والداغستانيين) واتسمت فترة إدارتهم للمدينة بالودية والتعامل الحسن مع الناس، ربما لأنهم كانوا حديثي العهد في السيطرة على المدينة، وحاولوا بطريقة ما كسب ود الأهالي وضمان حاضنة شعبية. إلا أن هذه المرحلة لم تطل سوى عدة أشهر فقط، انتهت بإرسال الكتيبة إلى الجانب العراقي وللتنويه كان يقود هذا التشكيل المدعو توركان الشيشاني الملقب بأبو عمر والذي قيل أنه رفض مهاجمة كوباني باعتبارها “معركة خاسرة استراتيجيا.”

2ـ سيطرة العناصر الآسيوية الوسطى (الأوزبك والطاجيك والتركستان “الإيغور”): وشهدت هذه المرحلة وضع يد المرتزقة على كثير من المنازل في الأحياء الجديدة وذلك لتأمين السكن لعناصره الوافدين الجدد من دول العالم لاسيما بلدان الاتحاد السوفياتي سابقا.

في هذه المرحلة منع التدخين وبات التدخل في حياة الناس امراً معتاداً وظهرت التقسيمات بين العامة وهم أهالي الطبقة الذين لم ينتسبوا إلى المرتزقة وبين “الدولة” وهم العناصر الذين حظوا بالاهتمام في جميع المجالات المادية والخدمية (رواتب عالية لجميع أفراد العائلة ـ هبات زواج ـ سكن مجاني ـ طبابة ـ معونة غذائية ـ غاز ـ مازوت …).

3ـ سيطرة التوانسة أي المرتزقة التونسيين: دامت هذه المرحلة لسنة ونصف عانى فيها أهالي الطبقة من الظلم الواضح  فقد تسلط الأمنيون واستبدوا وطغوا وضيقوا على الناس، فلم يسمحوا بالاتصالات الخارجية وأغلقوا صالات النت ولم يسمحوا إلا لأربع صالات صغيرة بالعمل بعد حيازتها على التزكية وتحت أنظار الأمنيين الذين لم يكونوا يغادروها أبدا، وأصبحت مكان لاعتقال الناس بتهم متعددة كالعمالة للتحالف والتواصل مع المرتدين، وشهدت تنفيذ أحكام بالموت وفقا لهذه التهم  وصدر قرار بإزالة صحون اللواقط الفضائية (الساتالايت) ومصادرتها ومعاقبة كل من أخفاها بالجلد والسجن، أضف إلى ذلك ازدياد ظاهرة مصادرة الأملاك لتشمل المنازل التي غادرها مالكوها إلى خارج مناطق سيطرة داعش لأي سبب كان لتشمل المدينة بأكملها، كما وشهد المرتزقة في نفس الفترة انشقاقات فردية وتسرب للكثير من عناصره خاصة بعد الانكسارات التي تعرضت لها داعش في أرياف حلب والرقة والحسكة أمام قوات سوريا الديمقراطية.

وما زاد الطين بلة بالنسبة لأهالي المدينة ارتفاع أسعار المواد الغذائية فقد أصبحت ربطة الخبز التي تزن واحد كيلو غرام تباع بأكثر من 200 ل.س وكيلو السكر بـأكثر من 400 ل.س والزيت النباتي بـأكثر من 3200 ل.س فيما فقدت كثير من المواد الأساسية الأخرى

كأدوية القلب والأمراض المزمنة ومنع الناس من السفر خارج أراضي المرتزقة بحجة الحفاظ على تدين أهالي المنطقة، ما أوجد أزمة مادية خانقة لدى معظم أهالي الطبقة المعتمدين على المعاشات أصلا أو المغتربين خاصة بعد منع معظم دول العالم التحويلات المالية إلى اماكن سيطرة داعش.

واستمرت هذه الحال، حتى جاء اليوم الذي نالت فيه المدينة حريتها في الـ 10 من أيار/مايو الماضي عندما حررتها قوات سوريا الديمقراطية بعد عملية أطلقتها في 21 من آذار/مارس.

(ع ز/م)

ANHA