الاتصال | من نحن
ANHA

الرئاسة المشتركة.. منهج جديد لإدارة الشؤون!

ملف

تولين حسن

عفرين- برز منهج الرئاسة المشتركة، كمنهج جديد للإدارة في الشرق الأوسط، وأصبح له تأثير على أرض الواقع عبر تطبيقه في المئات من المؤسسات والتنظيمات المتواجدة في مناطق روج آفا وشمال سوريا.

بعث منهج الرئاسة أو الإدارة المشتركة والذي هو قيد التطبيق في مناطق روج آفا وشمال سوريا روحاً جديدة في جسد الأنظمة الإدارية، حيث يساهم هذا الأسلوب من الإدارة في الابتعاد عن نظم الإدارة المركزية المحملة بالذهنية الذكورية. كما يمثل هذا الأسلوب عاموداً أساسياً في بناء مجتمع ديمقراطي متكامل وبكلمة أخرى في بناء الأمة الديمقراطية التي أوحى قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان بضرورة تطبيقها من خلال مرافعاته الخمس. خلال ملفنا هذا سنسلط الضوء على دور المرأة التاريخي في المجتمع وكيفية سلب لحقوقها، إضافةً لأهمية أسلوب الإدارة أو الرئاسة المشتركة وتأثيره على نظم الإدارة في روج آفا وشمال سوريا.

قراءة تاريخية…

بالعودة إلى الوراء والتنقيب في الجذور التاريخية للحياة المجتمعية، نجد أن المرأة كان لها الدور الرئيس في تربية الأفراد والمحافظة على القيم الاجتماعية. ولكن مع مرور الزمن والتطور الفكري والعلمي رويداً رويداً بدأ الرجل بإنكار دور المرأة واستغلالها وسلب لحقوقها بهدف فرض سيطرته وهيمنته على المجتمع.

وتقول السرود التاريخية أن الرجل الذي كان يمتاز بدوره في الصيد الذي ولّد بداخله العنف، أفرز معه القيم الذكورية رويداً رويداً حتى بسط سيطرته مع بداية الألفية الخامسة قبل الميلاد، وطغى على المرأة.

وبرز دور الرجل في قيادة وإدارة المجتمع في بادئ الأمر خلال العصر السومري، حيث امتازت الحضارة السومرية ببروز الفروقات الطبقية في المجتمع وهيمنة الرجل والسلطة الحاكمة، وتسخيرهم للطبقة الدنيا في خدمة الطبقة العليا.

ورغم اختلاف الأساليب الإدارية في يومنا الراهن إلا أن مضمون وجوهر هذه الإدارات لا يزال يحتفظ بالفروقات الطبقية وطغيان الطبقة الحاكمة على كافة فئات المجتمع، وخصوصاً المرأة التي وصلت إلى أعلى مستوى من الاستغلال والانحطاط.

حاولت العديد من الحركات النسائية وأشهرها الفامينية في عصرها الحالي إعادة دورة المرأة في المجتمع، ورغم تمكنها من النجاح في بعض الميادين كإشراك المرأة في السياسة في بعض الدول الأوروبية، لم تستطع هذه الحركات القضاء على الذهنية الذكورية المهيمنة على أغلب عقليات المجتمع.

8 آذار بوابة نضال المرأة

أضربت النساء العاملات في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية عن الطعام في يوم 8 آذار سنة 1857 احتجاجاً على عدم المساواة بين الرجل والمرأة في العمل.

ولم تعلم السلطات الأمريكية حينها أن قمع هذه الفعالية، سيحول من هذا اليوم إلى بداية نضال المرأة نحو نيل حقوقها المسلوبة، فقد انتفضت النساء في العديد من المناطق حول العالم آنذاك للمطالبة بحقوقهن.

وبالفعل، كانت هذه الانتفاضات عاملاً حاسماً في إقرار الأمم المتحدة في 16 آذار 1977 يوم 8 آذار من كل عام يوماً عالمياً لنضال المرأة.

وبالطبع، يوم واحد لم يكن كافياً لتنال المرأة حقوقها، لكنها أشعرت العالم بضرورة الإحساس بدور المرأة التاريخي وإشراكها في جميع ميادين الحياة.

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال المرأة في العديد من الدول العالمية تعاني من ذهنية الإنكار لدى الرجل، الذي لا يتقبل وجود المرأة بجانبه في العمل، ناهيك عن تواجدها في مناصب إدارية.

تقدر الأبحاث الدولية حول العنف ضد المرأة سواء الجسدية منها أو النفسية بنسبة تتجاوز الـ 50% حول العالم، وأغلبها في الدول الأفريقية والعالم العربي وأمريكا اللاتينية وشرق آسيا.

المرأة في الفكر “الأوجلاني”…

جهد قائد الشعب الكردي عبدالله أوجلان في سبر أغوار المجتمع والطبيعة عبر البحث في المجلدات التاريخية والفلسفية والاجتماعية وغيرها.

واكتشف القائد أوجلان في عمق أبحاثه الدور الحثيث للمرأة بدءاً من العصور البدائية حتى يومنا راهن، كما تألم لحقيقة سلب الرجل لحقوق المرأة وإنكاره لها.

وتطرق أوجلان خلال 21 آذار 2005 إلى أهمية تغيير مفاهيم الحياة الحالية والانتقال للعيش وفق منظومة جديدة أطلق عليها فيما بعد مسمى “الأمة الديمقراطية”.

وفي آواخر سنة 2010 طرح القائد أوجلان خلال مرافعته الخامسة من سجن إمرالي “القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية” أبعاد التحول إلى الأمة الديمقراطية، وأوعز خلالها بفكرة الحياة الندية الحرة.

كما أوضح القائد أوجلان من خلال طرحه لفكرة الحياة الندية الحرة أن الرجل والمرأة يجب أن يتكاملا، ولا يمكن العيش بطريقة صحيحة في حل فرض طرف نفسه على الآخر.

واخترنا لكم مقتطفات من كتابات القائد أوجلان في فقرة الحياة الندية الحرة في الأمة الديمقراطية:

“الحياة الاجتماعية المحصورة بين فكّي التقاليد من جهة والحداثة الرأسمالية اللاهثة وراء الإنكار والإبادة من جهة أخرى، هي حياة محكوم عليها تماما بيأس المرأة العقيم”.

“إن التعصب لشرف المرأة بجزم مغالى فيه، هو تعبير عن اللاشرف الاجتماعي المغالي في قطعيته”.

“تحرر المجتمع وحريته يمرّان من تحليل ظاهرة المرأة، ومن تحررها وحريتها”.

“علينا التخلي كلياً عن مفهومنا التملكي بشأن المرأة، إذ على المرأة أن تكون قائمة بذاتها ولذاتها فقط”.

“من يمر من هذه التجربة بنجاح، أيّ من يحقق الحرية في شخصيته بإحدى المعاني سيكون بمقدورهم إنشاء المجتمع الجديد والأمة الديمقراطية انطلاقا من شخصيتهم المفعمة بالحرية”.

“لا يمكن عيش الحياة الندية الحرة الأمثل بين المرأة والرجل ضمن ظروفنا الراهنة وفي معمعان واقعنا الاجتماعي إلا بعد إنجاز النجاحات العظمى في أنشطة إنشاء الأمة الديمقراطية الشاقة”.

نظام الرئاسة المشتركة وبداية العمل به

بعد انطلاق ثورة شعوب روج آفا منذ 2012، تبنى تنظيم مؤتمر ستار النسائي “اتحاد ستار سابقاً” الأفكار الأوجلانية وسع لتطبيقها في معظم المناطق المحررة.

وخلال سنتي 2013 و2014 طرح مؤتمر ستار أسلوب الإدارة أو الرئاسة المشتركة على جميع المؤسسات والمنظمات والمجالس، والتي بدورها استحسنت هذه الفكرة.

وعلى هذا الأساس أقيمت المئات من المحاضرات والندوات، فضلاً عن افتتاح أكاديميات خاصة لتوعية المجتمع وتدريبه على القيم الجديدة في الحياة والإدارة.

وتركزت أغلب المحاضرات والندوات والدورات التدريبية حول الأمة الديمقراطية والرئاسة المشتركة والحياة الندية الحرة.

تقول عضوةمنسقية مؤتمر ستار في مقاطعة عفرين زلال جكر إنه “في بداية العمل بأسلوب الرئاسة المشتركة واجهتنا صعوبات من جهة عدم ثقة المرأة بنفسها من ناحية وعدم تقبل الرجل للمرأة من ناحية أخرى”.

وتشير زلال جكر إلى أن هذه الصعوبات بدأت تتلاشى مع مرور الزمن بسبب الحملات التوعوية التي قاموا بها في هذا الصدد.

التطبيق العملي…

بدأ تفعيل أسلوب الرئاسة المشتركة في عموم مقاطعات روج آفا خلال أوقات مختلفة من سنة 2014، وتم تطبيقه في البداية على مجالس الإدارة الذاتية الديمقراطية ومؤسسات حركة المجتمع الديمقراطي.

وبعد تحقيق هذه الأسلوب لنجاحات في إدارة الأمور ولفت أنظار الكثيرين، توجهت العديد من المؤسسات والأحزاب السياسية إلى تطبيق هذا الأسلوب.

وكان آخرها تطبيق حزبي السلام الديمقراطي والخضر الكردستاني هذا الأسلوب من الإدارة خلال مؤتمريهما، العام الماضي.

هذا النموذج أو الأسلوب من الإدارة تم تمريره إلى الكومينات والمجالس الشعبية الممتدة من أقصى الشرق في قرية عين ديوار بمقاطعة الجزيرة حتى أقصى الغرب في مدينة عفرين ومروراً بالمناطق ذات الغالبية العربية.

إضافةً لذلك، فإن المجلس الفدرالية الديمقراطية لشمال سوريا، أٌقر بتطبيق هذا الأسلوب من الإدارة في عقدها الاجتماعي الذي أقرته آواخر العام الماضي.

نسبة تمثيل المرأة 50%

لم تكن الأنظمة التي تدعي الحداثة على المستوى المطلوب في تحقيق حرية المرأة، فأكثر هذه الأنظمة منح المرأة حق تمثيلها في جميع الميادين الحياتية نسبة 10 % فقط.

إلا أن قائد الشعب الكردي عبدلله أوجلان دعا إلى منح المرأة نسبة تمثيل 50 % أي بالتساوي بين الجنسين.

يقول الرئيس المشترك للمجلس التشريعي في مقاطعة عفرين محمد سعيد يوسف وهو خبير في الشؤون القانونية أن “إعطاء المرأة حقوق تمثيل بنسبة 50%، يجنبنا من تطور فكر الفردي”.

ويشير محمد سعيد يوسف إلى أن “تطور الفكر الفردي يؤدي إلى تقدم المفهوم السلطوي للأمام، والذي بدوره يؤدي إلى تدهور الديمقراطية”.

حلب.. بوابة تطبيق الرئاسة المشتركة في أنحاء سوريا

تطبق أكثر من 20 مؤسسة ومجلس في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب أسلوب الرئاسة المشتركة منذ أكثر من عامين.

ويعتبر مجلس أخوة الشعوب الذي تشارك فيه كافة المكونات المتواجدة في الحي “عرب، كرد، تركمان” وجميع طوائفها، الأمثل في حلب لعمله وفق نظام الرئاسة المشتركة.

حيث قرر المجلس خلال كونفرانسه الأول في 19 كانون الثاني 2017 السعي لتطوير آلية العمل التفاعلي والتكاملي مع المرأة للوصول إلى الأمة الديمقراطية.

يؤكد الرئيس المشترك لمجلس أخوة الشعوب مرعي الشبلي في حي الشيخ مقصود بأن “الرئاسة المشتركة تجربة ناجحة”.

وألمح الشبلي أنهم يعملون أيضاً في نشر هذه التجربة على عموم مناطق الشرق الأوسط، ويهدفون لبناء مجتمع ديمقراطي متكامل.

(ك ش)

ANHA