الاتصال | من نحن
ANHA

الاحتلال يستخدم المياه كوسيلة للحرب-2

بيجدر آلتان

تركيا قطعت مياه الفرات عن شمال سوريا

الرقة – بعد تحرير سد الفرات من قبل قوات سوريا الديمقراطية وبدء حملة تحرير مدينة الرقة أقدمت الدولة التركية على إغلاق بوابات سد أتاتورك وقللت من منسوب تدفق مياه نهر الفرات.

في شهر نيسان عام 2014 قال مرتزقة داعش إن سد أتاتورك يمنع تدفق مياه نهر الفرات مما تسبب في تراجع منسوب المياه في بحيرة الأسد. فيما كذبت قناة الجزيرة هذه الادعاءات، وعلى العكس من ذلك فقد ارتفع منسوب جريان مياه النهر إلى سوريا. إلا أن داعش استخدمت هذا الأمر كذريعة لدعم تهديداتها لتركيا “إذا دعت الحاجة فإننا سنحرر استنبول”. الصراع على المياه بين سوريا والعراق ونظام الأسد خلف معاناة كبيرة لملايين الناس في سوريا والعراق جراء تراجع منسوب المياه. وإذا كان منسوب المياه قد تراجع بنسبة 50 إلى 80% منذ تشرين الأول من عام 2013 فإن مرد ذلك هو صراع هذه القوى على المياه. وعلى حدود روج آفا مع باكور كردستان أيضاً ستتفاقم الصراعات والمنازعات على المياه بعد الانتهاء نهائياً من بناء سد إيلسو والمحطة الكهرومائية على نهر دجلة. فمشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) في تركيا يتضمن بناء 22 سداً  و19 محطة توليد كهرومائية على نهري دجلة والفرات. وسد إيلسو والمحطة الكهرومائية واحد من هذه المشاريع، والذي من المزمع أن ينتج 1200 ميغاواط من الكهرباء. وسيؤدي بناء السد إلى غمر ناحية هسكيف الأثرية إضافة إلى 52 قرية و15 قصبة وتهجير عشرات الآلاف من سكان المنطقة. وعليه فقد سحبت العديد من البنوك العالمية استثماراتها من مشروع جنوب شرق تركيا مثل البنك الدولي، شركة بالفور بيتي الإنكليزية، شركة امبيركيلو الإيطالية، كما أوقفت كل من ألمانيا واستراليا والسويد قروضها التجارية من المشروع.

ومع ذلك فإن مشروع جنوب شرق تركيا ما زال مستمراً بتمويل من البنوك الموجودة في تركيا. في هذه الأثناء فإن سوريا والعراق هما الأكثر تضرراً من مشروع بناء سد إيلسو وكذلك السدود ومحطات التوليد الأخرى التابعة لمشروع جنوب شرق تركيا. وتؤكد التقديرات أن جريان مياه نهري دجلة والفرات لن يكونا كافيين للوصول إلى البحر اعتباراً من عام 1940 نتيجة لتأثير عمل السدود والتغير البيئي.

أمريكا عثرت على سلاح للدمار الشامل في العراق

سد الفرات ليس السد الوحيد الذي تسعى داعش للسيطرة عليه. ففي شهر أيلول عام 2014 حاول مرتزقة داعش السيطرة على سد الحديثة والذي يعتبر ثاني أكبر سد في العراق إلا أن القوات العراقية تمكنت بدعم جوي من قوات الولايات المتحدة الأمريكية من إبعاد داعش من المنطقة والسيطرة على السد. ويقع سد الحديثة على بعد 120 كيلو متراً شمال غربي العاصمة بغداد. وأي هجوم على هذا السد قد يشكل كارثة إنسانية في المنطقة. كما أن السيطرة على سد الحديثة يعني السيطرة على جريان المياه في مساحة كبيرة من مساحة باشور كردستان. كما سيطرت مرتزقة داعش على نهر الفلوجة في العراق شهري أيار ونيسان، وعمدت إلى إغلاق بوابات النهر مما أدى إلى فيضان المياه في المناطق الواقعة أعلى السد وانقطاع المياه عن المناطق الواقعة أسفل السد. وبهدف إجبار القوات التابعة للحكومة العراقية على التراجع وفك الحصار عنها أقدم مرتزقة داعش على غمر المناطق المحيطة بمدينة الفلوجة بالمياه مما تسبب بنزوح حوالي أربعين ألفاً من سكان المنطقة. كما تسبب بتوقف جريان المياه والكهرباء عن المنطقة.

في السابع من شهر آب عام 2014 سيطرت داعش على سد الموصل ومحطة الطاقة التي تنتج واحد كيغا واط من الكهرباء مما أثار مخاوف بغداد والكويت وأمريكا، ومرد هذا التخوف هو أن السد يؤثر على العديد من منابع المياه في المنطقة. فسد الموصل الذي يعتبر من أكبر سدود العراق ويشغل محطة الطاقة يعتبر المصدر الرئيسي لمعظم مصادر الطاقة في العراق.

يقع سد الموصل في الجهة العلوية لمدينة  الموصل ويبلغ طوله 3.6 كم وينتج يومياً 320 ميغا واط من الكهرباء وهو يعرف أيضاً باسم سد صدام.

بدأ بناء السد عام 1980 أثناء فترة الحرب العراقية الإيرانية بمساعدة الاتحاد التجاري الألماني والذي يدير شركة Hochtîef Aktîengesellschaft  وتسبب بناء السد بغمر العديد من المواقع الأثرية. وبني السد بالأحجار الكلسية القابلة للانحلال في المياه، وبسبب الأخطاء الهندسية يعتبر سد الموصل من أخطر السدود في العالم. طبعاً هذا قبل أن يقع السد تحت سيطرة أخطر تنظيم إرهابي في العالم. السد الذي يعيق جريان نهر دجلة يحتجز ورائه 12 مليار متر مكعب من المياه، وفي حال تعرضه للدمار أو الانهيار فقد يؤدي إلى غمر المدينتين وفقدان الملايين من الأشخاص. فإذا امتلأ  حوض الماء وانهار السد فإن مدينة الموصل التي يعيش فيها مليون وسبعمائة ألف نسمة ستتعرض لموجة تسونامي بارتفاع 20 متراً.

تحول سد الموصل إلى مركز عسكري منذ شهر آب عام 2014. بعد سيطرة داعش على السد قطع جريان المياه عن القرى شمال العراق التي لم تساند داعش. فقدان هذا السلاح كان سبباً للدعم الأمريكي للقوات العراقية وقوات باشور كردستان التي سعت من أجل إعادة السيطرة على سد الموصل. لاقت جهود قوات الكريلا في تحرير الإيزيديين صداً كبيراً في الإعلام، إلا أن السبب الرئيسي لإقدام أمريكا على قصف مواقع داعش في الأراضي العراقية لأول مرة منذ عام 2011 هو أن داعش سيطرت على سد الموصل. وعلى إثر القصف المستمر على مدى أيام متواصلة ضد مواقع داعش تمكن البيشمركة من إعادة السيطرة على السد.

خلال الحروب تبرز أهمية المشاريع المائية والهدف الأساسي لهذه المشاريع، مما يستوجب إعادة النظر بشكل جدي في كل ما يتعلق بإدارة هذه المشاريع. السدود الكبيرة يتم إنشاؤها عادة بدعم وتمويل من بنوك الاستثمار الدولية والوطنية، وكذلك من استثمارات مؤسسات مثل (Clean Development Mechanîsm) آلية التنمية النظيفة.

هذه السدود تتسبب بنزوح أعداد كبيرة من السكان المحليين، وإتلاف المواقع الأثرية وتخريب الطبيعة وحرمان السكان المحليين من جميع مصادر الحياة. بالنظر إلى كميات انتاج الكهرباء نجد  أنها أقل بكثير مما كان مخططاً، كما أن هذه المشاريع تثقل كاهل الدول بالديون. وعندما تبرز إلى السطح قضايا الأزمات البيئية وتأثيرات التغير المناخي وانتشار التصحر، فإن ذلك يؤدي إلى تصاعد ونشوب النزاعات على الحقوق الدولية لملكية المياه. وليس من المستغرب أن تتحول خلافات الدول الإسلامية على المياه إلى أعمق الخلافات في العالم. ومن هذه الصراعات والخلافات ما يحدث بين مصر وأثيوبيا على إثر بناء سد النهضة الكبير في أثيوبيا والذي يعتبر من أعلى المشاريع المائية في القارة الأفريقية، حيث أصبحت الدولتان على مشارف حرب كبيرة.

رغم المساحات الخصبة الشاسعة، داعش تمنع المزارعين الزراعة

إضافة إلى سيطرة داعش على مصافي وآبار النفط في الموصل وشرقي سوريا، فإنها باحتلال مساحات شاسعة من الأراضي على ضفتي دجلة والفرات تمنع الأهالي من ممارسة الزراعة. في البداية احتلت داعش السدود ومحطات التوليد في مناطق الموصل والرقة ومنبج وبدأت بإطلاق التهديدات من قبيل تفجير السدود أو فتح وإغلاق البوابات أو غمر المناطق بالمياه، واستخدمت هذه التهديدات كسلاح مؤثر في حربها ضد الشعوب.

المزارعون الذين كانوا يمارسون الزراعة اعتماداً على قنوات الري التي تمتد لعشرات الكيلومترات لم يتمكنوا من حصاد مواسمهم بسبب ضغوطات وتهديدات مرتزقة داعش. كما أن داعش فرضت على المزارعين ضرائب بلغت نصف المحصول باسم الزكاة مما منع المزارعين من الانشغال بالزراعة وتربية الماشية.

(ك)