الاتصال | من نحن

الاحتلال العثماني الجديد-4

ملف

العثمانيون الجدد

نازدار عبدي

مركز الأخبار– بعد نحو مئة عام على إنهيار الإمبراطورية العثمانية، يحاول أردوغان في القرن الواحد والعشرين أن يكرر دور السلطان سليم يافوز، وإعادة المنطقة إلى تاريخ الصراعات الدموي.

انهارت الامبراطورية العثمانية والتي استمرت 700 عام، بالكامل، بعد توقيع اتفاقيات سيفر ولوزان وأنقرة. وظهرت تركيا بحدودها الحالية (عدا لواء الإسكندرون) سنة 1923 بدلاً عنها. لكن العقلية العثمانية الاحتلالية بقيت مستمرةً ضمن الحدود الجديدة.dabiq

العثمانيون الجدد

يسعى حزب العدالة والتنمية التركي ورجله الأول رجب طيب إردوغان على استعادة أمجاد الامبراطورية العثمانية على الرغم من مرور 100 عام على انهيار هذه الامبراطورية.

يشيد مسؤولو حزب العدالة والتنمية في كل خطاب لهم بأمجاد الإمبراطوريتين العثمانية والسلجوقية، ويرون فيها  خسارة كبيرة لهم.

استعادة الميثاق الملّي

مناطق الموصل وباشور كردستان (شمال العراق) وروج آفا أو شمال سوريا، هي في باكورة أهداف حزب العدالة والتنمية نحو استعادة الميراث العثماني. وهذه المناطق هي نفسها الحدود التي رسمتها الدولة التركية في “الميثاق الملّي”.

لم تستطع تركيا استعادة الأماكن التي حددتها في “الميثاق الملّي” بشكل مباشر، لذلك عمدت إلى الأساليب والطرق السرية وعبر بعض حلفائه. يمكننا القول أنها وصلت إلى جزء من أهدافها هذه. فهي استطاعت أن تسيطر على باشور كردستان عبر حليفه الحزب الديمقراطي الكردستاني، والذي يترأسه مسعود البرزاني.

وهي الآن، تحاول أن تحقق كامل أهدافها عبر دعمها أفراد الحزب الديمقراطي الكردستاني في سوريا، والمجموعات المرتزقة التي من ضمنها داعش.

محاولات احتلال الموصل

حاولت تركيا مراراً احتلال باشور كردستان/شمال العراق والموصل ولا تزال محاولاتها قائمة إلى الآن. خلال حرب الخليج الثانية (1991) وعندما كان صدام حسين يحضر لاجتياح الكويت، وضع الرئيس التركي الراحل توركوت أوزال نصب عينيه على مناطق باشور كردستان ومن ضمنها الموصل وإنشاء فدرالية تركية هناك. نفس الطلب هذا، تكرر في أعوام 1994 و 2004 و 2008.

ولعل أن تصريح رئيس الوزراء التركي الأسبق داوود أوغلو أثناء زيارته للموصل والتي قال فيها حينها “في إحدى الأيام امتطى فرساننا أحصنتهم ووصلوا إلى هذه المنطقة، ونحن سنسعيدها يوماً ما ولكن بآلات حديثه” عالقة في الأذهان.cerablus

خلال سنة 2014 حركت تركيا مرتزقة داعش ودعمتها للسيطرة على الموصل في يوم 9 حزيران، ومن بعدها شنكال. ثم ما لبث المرتزقة وأن احتلوا مدينة تلعفر والتي أغلبها من التركمان الشيعة وارتكبوا فيها المجازر دون أن تحرك تركيا من سكونها.

بعد هذا الاحتلال حرك جيش الاحتلال التركي قطعات كبيرة من قواته ووجها إلى داخل العراق، وتحديداً إلى منطقة بعشيقة القريبة من الموصل. حينها بدأت الأحلام العثمانية في السيطرة على كركوك والموصل بالتحقق.

والآن، تحاول تطالب تركيا مراراً بالانضمام إلى حملة تحرير الموصل. كما تطالب في إدارة هذه المنطقة مستقبلاً.

احتلال شمال سوريا

تجددت المخططات التركية مع انطلاق ثورات الربيع العربي، فقد حاولت تركيا تحقيق أهدافها في السيطرة على مصر وسوريا وتونس عبر دعم جماعة الأخوان المسلمين، لكنها فشلت.

خططت تركيا للسيطرة على مناطق شمال سوريا مع اشتداد الأزمة في سوريا، وتوضحت معالم هذا المخطط مع المعركة التي دارت رحاها في كوباني. فقد صرح أحمد دواوود أغلوا في إحدى خطاباته “مصير حلب ليس ببعيد عن مصير ماراش”.

في سوريا أيضاً، حاولت تركيا أن تستخدم بعض من أتباعها لخدمة مصالحها، وبناء عليه، حركت أفراد حزب الديمقراطي الكردستاني المتواجدين في سوريا. لكن مخخطها هذا فشل أمام إرادة شعوب المنطقة.

تحرير القوات الديمقراطية لكل منطقة في شمال سوريا، كان يعني لتركيا دفن أحلامها العثمانية. ومع تحرير منبج وفتح الطريق أمام تحرير الباب، وإيصال مقاطعات روج آفا معاً الذي يسهم في تحقيق مشروع الفدرالية الديمقراطية، رأت تركيا أن أحلامها العثمانية تدفن بالكامل. وعلى إثر ذلك، تدخل هي بنفسها في المنطقة بشكل مباشر.mnets

احتلت تركيا أردوغان/ حزب العدالة والتنمية، مدينة جرابلس في عملية أطلقت عليها “درع الفرات” في الـ 24 من آب أو بالأحرى في الذكرى الـ 500 لمعركة مرج دابق التاريخية.

أراد أروغان أن يلعب دور السلطان سليم يافوز مرة أخرى وأن يفتح أبواب الشرق الأوسط مرة أخرى على نفسه، لذلك، وجه ارتال قواته نحو دابق واحتلها في الـ 16 من تشرين الأول من العام الحالي. المجموعات التي تتحرك تحت إمرة أردوغان أعلنت أن أهداف الخطوة الثالثة من عمليتهم هي التوجه إلى حلب، كما أن أردوغان بنفسه أعلن عن هذا الأمرة مرات عدّة، ناهيك عن أن قواته تقترب الآن من مدينة الباب.

خطر تواجد الذهنية العثمانية في المنطقة

دخلت تركيا إلى قبرص سنة 1974 بحجة حماية الأتراك ولم تخرج منها، وأرسلت تركيا أرتالها العسكرية إلى بعشيقة سنة 2014 ولم تخرج منها رغم كل المطالبات بخروجها، وهي تضع الموصل نصب أعينها.

دخول تركيا إلى الشمال السوري سيكون شبيهاً بما سبق، فهي لا تحسب حساباً للعودة والخروج. وهي تسعى بهذه الطريقة إلى إبراز نفسها على أنها قوة صعبة المراس.

ينفخ إردوغان في نيران الصراعات الأثنية والطائفية في منطقة الشرق الأوسط، مكملاً بذلك السياسة العثمانية القديمة، يسعى من خلال ذلك إلى تغيير ديمغرافية المنطقة عبر دفع السكان الأصليين للهجرة عن طريق سياسات الترغيب والترهيب، وتستوطن بدلاً عنهم التركمان والأتراك.

كما يستخدم شعوب المنطقة بحسب مصالحه الخاصة، ويحفز مسألة عودة الخلافة الإسلامية في عقول المسلمين السنّة، ويدعي أنه الشرارة التي ستعيد هذه الخلافة. وبهذه الحجج يتدخل في الدول المجاورة له، وفي نفس الوقت يكرر التاريخ الدموي العثماني في شمال كردستان وروج آفا (شمال سوريا).

وقد صرح أردوغان في أكثر من مناسب الأقوال التالية “لقد أجبرونا على قبول الحدود الحالية. لوزان لم يكن نصراً بالنسبة لنا. إما أن تصبح تركيا أكبر وإما أن تصبح أصغر”. ويتحدث أردوغان مرة أخرى عن الحدود من حلب إلى الموصل. فحسب أردوغان كان من المفروض أن تكون مناطق روج آفا/ شمال سوريا وباشور/شمال العراق على الخريطة التركية. حيث ارتكبوا في هذه المناطق العشرات من المجازر وقتلوا الآلاف.

لذلك، فإن تواجد حزب العدالة والتنمية وأردوغان في المنطقة هو بمثابة خطر كبير ودائمي على العراق وسوريا والشرق الأسط عامةً، يخلق الأزمات والتناقضات بشكل المستمر بين مكونات المنطقة.

كما أن تكرار التجرية العثمانية سيكون له آثاراً خطيرة. بكلمة أخرى فإننا سنشهد تكرار التاريخ الدموي العثماني في الشرق الأوسط الذي أعاد المنطقة قروناً إلى الوراء وقضى على الحضارات ونهب خيرات البلدان، مرة أخرى.

(ك ش)

ANHA