الاتصال | من نحن
ANHA

اتفاقات التهجير وتتريك الجيوب المحتلة

تحليل

مامو حسن

فيما الأنظار تتجه نحو خطوط التماس في إقليم عفرين بين المرتزقة التابعة لتركيا ووحدات حماية الشعب، مع تصعيد تركي عسكري، فإن تركيا تعمل وبشكل ممنهج في الفناء الخلفي للجبهات وبعيداً عن الأنظار على مشروعٍ يتعدى خطورته الهيمنة العسكرية التركية، يتمثل هذا المشروع في ما يمكن أن نسميه بـ (تتريك مناطق درع الفرات) مستخدمة في ذلك فصائل تتبع أجنداتها بدوافع إثنية وتاريخية.

تركيا التي أخفقت في الحصول على الموافقة الأمريكية للمشاركة في معركة الرقة وإبعاد قوات سوريا الديمقراطية عنها، نجحت إلى حد ما وضمن صفقة مناطق خفض التوتر في انتزاع القبول الروسي – الإيراني لوضع قدم عسكري مباشر لها في الأراضي السورية، واستطاعت بموجبها احتلال مناطق في الشمال السوري (إدلب، مناطق درع الفرات)، مقابل ذلك أجبرت تركيا مرتزقتها في أحياء مدينة حلب لإخلاء مواقعها، واستقدمت بانتقائية فئة من سكان أحياء حلب الشرقية ممن يتبعون أجندتها إلى مناطق درع الفرات، فيما عرف بصفقة (حلب مقابل الباب) كما حصل مع سكان مناطق أخرى سبق وتعرضت لعملية التهجير.

تركيا طرف في صفقات التهجير السكاني ( حلب والغوطة نموذجاً )

لكل متابع لنتائج اتفاق مناطق التبادل السكاني في سوريا (اتفاقات المدن الأربعة) يتجلى الدور التركي البارز في هذه الصفقة بالتواطؤ مع الروس والإيرانيين، حيث نجم عن ذلك تهجير السكان الأصليين في المناطق المحاصرة.

تركيا من جهتها استغلت السكان المهجرين وجلبت فئة منها تربطها بها صلات إثنية كما حصل مع سكان حي الوعر الحمصي إلى مناطق ما يسمى بدرع الفرات، وقامت بتوطينهم في القرى والبلدات الكردية بعد التهجير الممنهج والقسري لسكان تلك القرى، والحقيقة أن تركيا وعبر حلفائها بدأت مبكراً بعمليات التهجير في البلدات الكردية، بدأت فصولها مع اجتياح داعش للريف الشمالي لحلب واستمرت مع دخول الجيش التركي لتلك المناطق. كما شاركت تركيا بكل صفقات التهجير التي جرت في سوريا، من مضايا وزبداني وما تلتهما إلى أحياء حمص، وآخرها الصفقة الأبرز التي كشفت الأهداف الحقيقية لتركيا وهي إجبارها للفصائل المسلحة على إخلاء الأحياء الشرقية من مدينة حلب وتسليمها للنظام السوري، مقابل غض نظر روسي – سوري عن دخولها إلى مدينة الباب وفيما بعد إدلب.

وفي الذكرى السنوية الأولى لتهجير سكان حلب الشرقية يجري العمل على صفقة أخرى وبرعاية تركية أيضاً حول تهجير سكان الغوطة الشرقية، واستقدامهم إلى إدلب أو مناطق درع الفرات، مستغلة في ذلك – أي تركيا، مأساة عشرات الآلاف من المدنيين المحاصرين لاستخدامهم في مشروعها الهادف إلى الهيمنة على الشمال السوري وتركمنة تلك المناطق.

شرعنة عمليات التهجير

ما يجري في سوريا من عمليات الترحيل والتبادل السكاني بحجج ايجاد مخارج لمأساة السكان المحاصرين، هي في حقيقتها انتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية وحقوق الإنسان، نتيجةً لاتفاقات غامضة بين قوى تسببت بمأساة هؤلاء المدنيين، وتقف على طرفي النقيض من بعضها، فالمعاناة الإنسانية تسبب به بالأساس محورا الاتفاق، الأول محور النظام وداعمه الروسي والإيراني، والثاني جماعات المرتزقة التي تأتي تركيا في واجهة داعميها. وتريد هذه القوى المتصارعة وأمام مرأى المجتمع الدولي أن تضفي الشرعية على عمليات التهجير الممنهجة، وتبرير خطط التغيير الديمغرافي كنتيجة مفروضة على مجريات المعارك، وكحل مؤقت ومخرج لوقف العمليات القتالية وإنهاء معاناة المدنيين، بينما هي بالأساس صفقة بين القوى المتعاركة تتضح أهدافها تباعاً. ويتبين من الأماكن التي تشملها اتفاقات التبادل السكاني وأماكن توطينهم البعد الطائفي والإثني لتلك الصفقة، والكل فيها يكسب ورقة مربحة باستثناء المدنيين الذين يتعرضون لعملية التهجير.

التهجير المبكر في مناطق الشهباء

بدأت فصول التهجير القسري مبكراً في الريف الشمالي لحلب، فيما يطلق عليه اسم (مناطق الشهباء) حيث تتوزع القرى والبلدات الكردية في تداخل مع القرى العربية والتركمانية، وتمتد من جنوب شرق مدينة حلب باتجاه الشمال نحو بلدة الراعي الحدودية مع تركية مروراً بمدينة الباب حيث التجمع الأكثر للكرد بمسافة تصل إلى 50 كم، ويبلغ عدد القرى والبلدات الكردية إلى نحو 100 بلدة وقرية، وظهرت أولى بوادر التهجير القسري عام 2013 عندما قامت مجموعات المرتزقة موالية لتركيا بتنفيذ هجمات على بلدتي تل عران وتل حاصل الكرديتين في منطقة السفيرة جنوب شرق حلب، وبلغ ذروتها مع اجتياح داعش لتلك المناطق وتهجير سكان بلدات قباسين، كفر صغير، احرص وغيرها من البلدات الكردية، والتنكيل بالسكان من الأصول الكردية بحجج الكفر والإلحاد وغيرها.

ومع احتلال الجيش التركي وفصائل درع الفرات المسنودين تركياً، مناطق الشهباء، لم تتوقف سياسات التغيير الديمغرافي وتهجير من تبقى من الكرد، ومنع المدنيين من الأصول الكردية بالعودة إلى قراهم بحجة انتمائهم لحزب العمال الكردستاني، بل طالت عمليات التهجير القسري السكان العرب من غير الموالين لسياسات تركيا، وإعادة توطين المهجرين من مناطق التبادل السكاني وفق اتفاقات الترحيل آنفة الذكر، والملاحظ أن المستوطنين الجدد هم من أصول تركمانية أو من العرب المرتبطين إيديولوجياً بحزب العدالة والتنمية ورئيسها أردوغان.

درع الفرات… وتركمنة الشهباء

بينما تعمل تركيا على تعزيز وجودها العسكري في محافظة إدلب شمال غرب سوريا، فإنها بموازاة ذلك تستكمل سياسة ” تتريك ” مناطق ما يسمى بـ ” درع الفرات ” التي احتلتها في 24 آب 2016 في عملية عسكرية وهمية ضد تنظيم ” داعش “. فلم يقتصر الدور التركي على تمكين فصائل تركمانية من الهيمنة العسكرية الكلية كـ ” السلطان مراد ”  والعمل على أضعاف وتصفية فصائل عربية غير موالية لسياسات تركيا، إنما تتعداها إلى ترسيخ تركمنة المنطقة كأمر واقع عن طريق ربط كل المسارات التعليمية والإدارية والأمنية والصحية بها، فالآمر الناهي في مثلث جرابلس – باب – اعزاز هو والي كلس، وأقحمت اللغة التركية في المناهج التعليمية وبإشراف تركي، وكذلك القطاع الصحي والإنشاءات وغيرها من القطاعات، ومع دخول ما يسمى بالشرطة الحرة الذين تلقوا تدريبات في تركيا، سحب البساط من تحت الفصائل المسلحة الأخرى وأصبحت كل مفاصل الحياة من الناحية الأمنية والإدارية مرتبطة بها.

إن اختيار الجيش التركي تاريخ 24 آب، كتوقيت لبدء عملية درع الفرات لم تأت من باب استحقاق عسكري ملح، إنما لها دلالات تاريخية تشير إلى نوايا تركيا في استرجاع مشروعها الاحتلالي وأوهام رئيسها أردوغان الطامح في خلافة العالم الإسلامي، فهذا التاريخ يذكرنا بماضٍ مأساوي حين بدأ العثمانيون وبمبررات شبيهة بحجج اليوم التي يسوقها أردوغان باحتلال المنطقة في معركة مرج دابق الشهيرة التي وقعت بتاريخ 24 آب 1516؛ والتي بدأت معها مرحلة طويلة امتدت إلى أربعة قرون من الظلم والظلمات.

القلق من المستقبل

تصوِر تركيا احتلالها لأراضي سوريا كقوة تدخُّل ضامنة للاستقرار ومحارِبة للإرهاب، بينما هي في الحقيقة عملية استباقية في محاولة لزعزعة النصر التاريخي لقوات سوريا الديمقراطية في حربها على الإرهاب، الأمر الذي أكسبها تأييداً دولياً، وإمكانية تقدم تلك القوات باتجاه مدينة إدلب وما بعد إدلب كقوة رادعة للإرهاب في سوريا، كما تعمل تركيا عن طريق تمكين فئات مرتبطة بها إيديولوجيا للسيطرة على مفاصل الحياة في الجيوب المحتلة لتستخدمهم كورقة ضغط في حلول مستقبلية لسوريا.

(ن ح)