الاتصال | من نحن
ANHA

إسراء الجعابيص .. “صرخة” مأساة المرأة الفلسطينية في السجون الإسرائيلية

عمر موسى

غزة – صرخت إسراء الجعابيص على عائلتها في أول زيارة بعد 3 أشهر من اعتقال القوات الإسرائيلية “هذه أنا، أنا إسراء”، كي يتعرفوا عليها بعد أن ذابت ملامحها من الحريق الذي شبّ في سيارتها وأصيبت على إثره بحروق من الدرجة الأولى والثانية والثالثة في 60% من جسدها، وفقدت 8 من أصابع يديها، وأصابتها تشوهات في منطقة الوجه والظهر.

يدور الحديث هنا عن المعتقلة المصابة إسراء الجعابيص 33 عاماً، المعتقلة في السجون الإسرائيلية منذ أكثر من عامين بتهمة محاولتها شن هجوم على الجنود الإسرائيليين، والتي لازالت تعتصر كل يوم من الألم ولا ينظر إليها أحد، إذ قالت المعتقلات اللاتي شاركنها المعتقل أنهن لا يقدرن على النوم من صراخ إسراء اليومي من الوجع.

قبل عامين وتحديداً في 11 تشرين الأول من عام 2015، كانت إسراء الجعابيص تنوي الانتقال من مدينة أريحا، حيث تسكن مع زوجها، إلى مدينة القدس، وقد وضعت في سيارتها جرة غاز إضافة إلى مجموعة من الأدوات المنزلية أرادت نقلها إلى منزلها الجديد، وعندما وصلت إسراء إلى منطقة الزعيم قرب مستوطنة معاليه أدوميم، اشتعلت النيران داخل السيارة ما أدى لانفجارها، فخرجت إسراء بصعوبة تطلب النجدة إلا أن أفراد الشرطة الإسرائيلية لم يقدموا لها المساعدة واستنفروا واستحضروا المزيد من رجال الشرطة والأمن.

في البداية أعلنت الشرطة أنه حادث حريق عادي، ثم ما لبث الإعلام الإسرائيلي عدّ ما حصل عملية لاستهداف الجنود الإسرائيليين، لكن المخابرات الإسرائيلية ادعت أن إسراء كانت في طريقها لتنفيذ عملية، واتهمتها بتعمد وضع جرة الغاز من أجل مضاعفة نتائج العملية التي تنوي تنفيذها ضد عناصر الشرطة، وهي التهمة التي أصرت إسراء وعائلتها على نفيها.

إسراء، أم لطفل واحد هو معتصم يبلغ من العمر الآن 10 سنوات، سحبت السلطات الإسرائيلية منه حقه في الحصول على هوية القدس، ومنذ ذلك الحين لم يعد قادراً على زيارة أمه في معتقلها، ما يشكل فصلاً آخر من فصول معاناة المعتقلة المصابة.

وبعد أن اعتقلت إسراء، عقدت لها السلطات الإسرائيلية عدداً من الجلسات داخل المستشفى لصعوبة نقلها إلى المحكمة بسبب حالتها الصحية الحرجة التي لم تراعيها حتى اللحظة، ووجهت لها لائحة اتهام في هذه الأثناء بمحاولة تنفيذ عملية وقتل جنود من خلال تفجير أنبوبة غاز، وحكم عليها بالسجن لمدة 11 عاماً، مضافاً إليها غرامة مالية مقدارها 50 ألف شيكل.

وتقول عائلة إسراء، إنها في بداية جلسات محاكمتها بعد الحادث دخلت قاعة المحكمة فلم يستطع أحد معرفتها، حتى أخذت تناديهم قائلة إنها إسراء لتعريفهم بها.

ومؤخراً، قصّت إسراء جعابيص شعرها حتى لا تُضطر إلى تسريحه، فتسريحه يُسبب لها آلاماً كبيرة بسبب الحروق في وجهها.

ووفقاً للعائلة، فإن إسراء وخلال احتجازها في المستشفى بعد الحادث، تعرضت من قبل عناصر الأمن وبعض الممرضات إلى إهانات عديدة تمثلت في السخرية من شكلها، والقول أن ابنها لن يقبل بها بعد الآن، كما كانوا يجبرونها على مشاهدة وجهها في المرآة ويسخرون منها.

وتقول منى الجعابيص وهي شقيقة إسراء “أثناء التحقيق مع إسراء عرضت إحدى المجنّدات أصابعها أمامها قائلة: انظري إلى أصابعي الجميلة، أنا لي أصابع، أمّا أنت فلا. لكنّ إسراء ردّت تقول: أنا أيضاً لي أصابع لكنّها قُطعت”.

وتشير منى إلى أن التحقيق مع إسراء كان قاسياً جداً، تعرّضت خلال جولاته المختلفة لشتّى أنواع الضغط والتعذيب الجسدي والنفسي، على الرغم من إصابتها. وتقول منى “أنّ المحققين كانوا يقولون لها إنّ «أهلك تخلّوا عنك ولا يريدون رؤيتك أبداً»”. تضيف “أنّهم لم يبلغوها بأنّنا نلهث لرؤيتها. وهم كانوا يحضرون لها مرآة ويجعلونها تنظر فيها إلى وجهها”.

وتلفت إلى أن ما تتعرض له إسراء الجريحة والمشوّهة نتيجة الحريق الذي اندلع في سيارتها تعذيب نفسي قاسٍ، وقالت إنها اليوم تعاني الأمرّيَن ممّا حلّ بها على الرغم من مرور عامَين على إصابتها، فهي ما زالت في حاجة إلى عمليات جراحية في أماكن عدّة من جسدها المصاب. عدا عن ذلك، هي بالكاد قادرة على تدبّر شؤونها الشخصية داخل السجن وفي حاجة إلى مرافقة للاعتناء بها . وتشدد منى على أنّ شقيقتها إسراء كانت “ضحية خلل” أصاب سيارتها.

وقبل فترة قصيرة تلقت منى رسالة من شقيقتها في المعتقل ناشدت فيها أن يقف الجميع معها ومع سائر المعتقلات، مؤكدة حاجتها الماسة إلى العلاج من آثار حروقها التي تعوّق ممارستها حياتها الطبيعية، ولفتت في رسالتها أن ظروف الاعتقال التي تخضع لها مع الأخريات رهيبة وهنّ في حاجة إلى أن يُسمَع صوتهنّ في العالم كله.

المعتقلة المحررة ندى الحلو من قطاع غزة روت أجواء الاعتقال التي تعيشها المعتقلات في السجون الإسرائيلية بالقول “تتعرض الفلسطينيات منذ لحظة اعتقالهن الأولى على أيدي القوات الإسرائيلية لعمليات الضرب والإهانة والسب والشتم، وتتصاعد عمليات التضييق عليهن حال وصولهن مراكز التحقيق؛ حيث تمارس بحقهن كافة أساليب التحقيق، سواء كانت النفسية منها أو الجسدية، كالضرب والحرمان من النوم والشبح لساعات طويلة، والترهيب والترويع، دون مراعاة لجنسهن واحتياجاتهن الخاصة”.

ولا تنتهي معاناة المعتقلات عند هذا الحد؛ تضيف ندى “بل تستمر عمليات الضغط والترهيب بحقهن حتى بعد انتهاء فترة التحقيق، وانتقالهن من أقبية التحقيق إلى غرف التوقيف؛ حيث تسعى سلطات السجن جاهدة إلى ابتكار السبل لإذلالهن وقمعهن والمساس بكرامتهن، من خلال عمليات  اقتحام الغرف ليلاً أثناء نومهن، والحرمان من الاحتياجات الإنسانية الأساسية، كتقديم وجبات طعام سيئة من حيث الكم والنوع، وحرمانهن من الحق في العلاج بعدم توفير الأدوية الضرورية؛ بالإضافة إلى وجود نقص في الفرشات والأغطية، وعدم التمتع بالإنارة الجيدة والكافية، وحجب أشعة الشمس؛ بسبب النوافذ الضيقة المحصنة بالقضبان وغيرها من أدوات الحراسة”.

وانطلقت يوم الثلاثاء الماضي الثاني من كانون الثاني الجاري، في فلسطين، حملة تدوين بلغات مختلفة للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلة الجريحة إسراء الجعابيص وعلاجها.

ودعا إلى الحملة نشطاء ومهتمون بقضية الأسرى الفلسطينيين لتسليط الضور على معاناة إسراء الجعابيص وغيرها من المعتقلات وتشكيل حالة ضغط من أجل الإفراج عنها من السجون الإسرائيلية، حيث أنها بحاجة لثماني عمليات عاجلة في عينيها ووجهها ولفصل أذنيها الملتصقتين برأسها نتيجة الحروق التي أصابتها، ولعلاج إصابات بالغة في يديها، وتعاني أيضاً من ارتفاع درجات الحرارة دائماً، ويحتاج علاجها لسنوات من التأهيل الجسدي والنفسي. وبسبب تآكل معظم أصابعها نتيجة الحريق والإصابة، لا تستطيع إسراء تناول الطعام ولا القيام بأدنى المهام المعيشة اليومية.

(ح)

ANHA