الاتصال | من نحن
ANHA

إحصاء عام 1962، أسبابه، أهداف ونتائجه

أكرم بركات

مركز الاخبار- جٌردت مكونات روج آفا وشمال سوريا وبشكل خاص أبناء الشعب الكردي في مقاطعة الجزيرة من ابسط حقوقها وعلى راسها الهوية السورية جراء إحصاء عام 1962، نتيجة للسياسات العنصرية التي اتبعتها القيادة السورية بعد الانفصال بين سوريا ومصر، على خلفية فكر جمال عبد الناصر، حرموا من التعليم، من تقلَد المناصب، العمل في المؤسسات وحتى السفر خارج البلاد.

وكالة أنباء هاوار ارتأت ضرورة إعداد ملف عن الإحصاء الذي اجري في عام 1962، تداعياته أسبابه ونتائجه، سيكون الملف على شكل قسمين، في القسم الأول سنوضح أسباب الإحصاء عام 1962، نتائجه، سلبياته، ونظراً لإنكار حقوق الشعب الكردي في روج آفا وبشكل خاص في مقاطعة الجزيرة وفي القسم الثاني من الملف نسلط الضوء على مشروع “أنا  هنا” الاحصائي الذي نظمته الهيئة التنظيمية للمجلس التأسيسي للنظام الاتحادي الديمقراطي لروج آفا- شمال سوريا بهدف تثبيت حقوق كافة المكونات المتواجدة في المنطقة.

اتفاقية سايكس بيكو وتجزئة كردستان

حتى عام 1916 كانت روج آفا جزء من كردستان وتحولت بعد عقد اتفاق تفاهمي سري بين فرنسا والمملكة المتحدة بمصادقة من روسيا (اتفاقية سكايكس بيكو) على اقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الدولة العثمانية، التي كانت مسيطرة على هذه المنطقة، في الحرب العالمية الأولى.

ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ منتصف عام 1917، تم تقسيم منطقة الهلال الخصيب بموجب الاتفاق، وحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق. أما بريطانيا فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالاتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. بموجب هذه الاتفاقية تم تجزئة كردستان إلى أربعة أجزاء موزعة بين سوريا، تركيا، إيران والعراق.

وتحول أبناء الشعب الكردي في روج آفا بشكل فعلي إلى كيان سوري بعد دخول الفرنسيين إلى لسوريا بموجب قانون الانتداب بعد معركة ميسلون عام 1920.

بعد الانتداب الفرنسي لسوريا قاوم الشعب الكردي الفرنسيين في عدّة مواقع بدءاً من معركة ميسلون في 24 تموز 1920 التي كان قائدها يوسف العظمة، معركة بياندور في 28/29/30 تموز 1923 التي قادتها العشائر الكردية في مقاطعة الجزيرة، وانتهاءً برفع العلم السوري على البرلمان السوري من قبل أحمد البارافي.

وخلال الحقبة الممتدة بين عام 1920 وعام 1962 انتفض أبناء الشعب الكردي في باقي أجزاء كردستان ضد سياسات تجزئة واحتلال كردستان، كثورة محمود البزرنجي التي اندلعت في باشور كردستان في تشرين الثاني 1922 واستمرت حتى تموز 1924، بعدها ثورة احمد البرزاني في باشور بين أعوام 1931/1932، الثورة الايزيدية في باشور عام 1935، ثورة ديرسم في باكور كردستان التي قادها سيد رضا في 20 مارس 1937 والتي استمرت حتى كانون الأول 1938، ثورة حماة رشيد في روجهلات كردستان بين العامين 1941 و1944، ثورة قاضي محمد التي اندلعت في روج هلات كردستان في تشرين الأول 1945 واستمرت حتى 15 كانون الأول 1946, ثورة ملا مصطفى البرزاني في باشور كردستان التي اندلعت في 1961.

حقبة الثورات الكردية التي اندلعت في باقي أجزاء كردستان، وانتفاض الشعب الكردي في روج آفا ضد الفرنسيين اثناء الانتداب الفرنسي، وتقلد الكثير من الشخصيات الكردية مراكز رئيسية في الدولة السورية أنداك بعد جلاء الفرنسيين عن سوريا. واتسمت تلك المرحلة بشيء من الديمقراطية والمساواة بين مكونات سوريا ما اثار مخاوف القومومجيين من الدور البارز الذي قد يلعبه الشعب الكردي في سوريا. لذا باشر القوموجيين برسم مخططات لضرب المكون الكردي واقصائه عن لعب دور مهم في بناء سوريا.

وفي عام 1952 تصاعد نجم جمال عبد الناصر في مصر انتعشت الآمال العروبية في وحدة الوطن العربي، حيث دعم عبد الناصر جميع الحركات القومية العربية في كل الدول من السودان، اليمن، الجزائر، العراق وسوريا، و في 22 شباط 1958 تم توقيع ميثاق بين سوريا ومصر وتمت الوحدة بين سوريا ومصر، التي كانت إحدى أحلام جمال عبد الناصر الشوفينية. واتسمت هذه الفترة بالطابع القوموي، واختير عبد الناصر رئيسًا والقاهرة عاصمة للجمهورية الجديدة. وفي عام 1960 تم توحيد برلماني البلدين في مجلس الأمة بالقاهرة وألغيت الوزارات الإقليمية لصالح وزارة موحدة في القاهرة أيضًا، أنهيت الوحدة بانقلاب عسكري في دمشق يوم 28 أيلول 1961، وأعلن قيام الجمهورية العربية السورية.

مخططات اقصاء الشعب الكردي من سوريا

بعد تحويل اسم الدولة السورية إلى الجمهورية العربية السورية، تعمق الفكر الشوفيني بين الأحزاب السورية في تلك الآونة، واستلام ناظم القدسي من حزب الشعب في 14 كانون الأول 1961 رئاسة سوريا حتى عام 8 أذار 1963. وفي هذه المرحلة تعمق الفكر الشوفيني العروبي اكثر بعد تشكل مجلس قيادة الثورة الذي أعلن قانون الاصلاح الزراعي بهدف الاستيلاء على الآلاف الهكتارات من الأراضي في مقاطعة الجزيرة بشكل خاص وهذا القانون تم تطبيقه فقط بحق أبناء الشعب الكردي في الجزيرة.

وفي 23 آب/أغسطس 1962 صدر المرسوم الجمهوري التشريعي رقم (93) في سوريا في عهد رئيس الجمهورية ناظم القدسي ورئيس مجلس الوزراء بشير العظمة والمتضمن قرارا سياسيا بإجراء الإحصاء الاستثنائي للسكان لأبناء الشعب الكردي في منطقة الجزيرة لتحديد هوية المواطن وتحديد نسبة أبناء الشعب الكردي .

واستند المرسوم المذكور على المرسوم التشريعي رقم (1) والمؤرخ في 30/4/1962 وعلى القرار الصادر عن مجلس الوزراء رقم (106) والمؤرخ في 22/8/1962.dosiya-serjmari-sala-1962-1

وبموجب المرسوم جرى الإحصاء في 5 تشرين الأول 1962 ونجم عنه تجريد الآلاف من أبناء الشعب الكردي في مقاطعة الجزيرة من الهوية السورية.

تضمن المرسوم الذي بات يعرف حاليا باسم “إحصاء الحسكة 1962” ما يلي:

– يجري إحصاء عام للسكان في مقاطعة الجزيرة” محافظة الحسكة” في يوم واحد يحدد تاريخه بقرار من وزير التخطيط بناءً على اقتراح وزير الداخلية.

-عند الانتهاء من عملية إحصاء السكان، تشكل لجنة عليا بمرسوم جمهوري بناءً على اقتراح وزير الداخلية لدراسة نتائج الإحصاء، وتقرير تثبيتها في سجلات الأحوال المدنية الجديدة أو عدمه، وإعداد التعليمات لذلك.

الإحصاء:dosiya-serjmari-sala-1962-1

جرى الإحصاء في 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1962 ونجم عنه انقسام أبناء الشعب الكردي في سوريا إلى:

– أكراد متمتعين بالجنسية السورية.

– أكراد مجردين من الجنسية ومسجلين في القيود الرسمية على أنهم أجانب بلغ عددهم في تلك الآونة حوال 300 آلف شخص.

– أكراد مجّردين من الجنسية غير مقيدين في سجلات الأحوال المدنية الرسمية، وأطلق عليهم وصف مكتوم القيد وهو مصطلح إداري سوري يشير إلى عدم وجود الشخص المعني في السجلات الرسمية وبلغ عددهم قرابة 10 آلاف .

أبرز تأثيرات الإحصاء على أبناء الشعب الكردي

وخلال الفترة بين إحصاء عام 1962 إلى عام 2011 شهدت مناطق روج آفا تهجيرا ممنهجا بسبب تدني المستوى الاقتصادي والحاجة الماسة لموارد الدخل، إضافة لمنع إنشاء مصانع أو جامعات بهدف ضرب الواقع الاقتصادي والتعليمي في المقاطعة.

ـ الحرمان من حق تثبيت وقائع الزواج والولادات في سجلات الدولة.dosiya-serjmari-sala-1962-6

– حرمانهم من حق حيازة جواز السفر، وبالتالي عدم تمكنهم من الانتقال إلى خارج البلاد.

-تأخر دخول الأطفال في المدارس الابتدائية حيث لا تعطى لهم شهادات التعريف إلا بعد التحقيق من قبل الأمن السياسي والكثير منهم يتأخر إلى السنة الدراسية التالية.

-الحرمان من حق العمل لدى دوائر ومؤسسات الدولة بالإضافة إلى حرمانهم من حق الاستفادة من القروض التي تمنحها البنوك بشكل عام والحرمان من الحقوق المدنية المنصوص عليها في الدستور ومنها حق الترشيح والتصويت.

ـ عدم تمكن أبناء الشعب الكردي من اكمال تعليمهم بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية والدخول في الجامعات أو المعاهد.

ـ اخذ ارضي أبناء الشعب الكردي منهم ومنع استملاكهم للأراضي الزراعية وما شابه.dosiya-serjmari-sala-1962

ـ لا يسجل أي عقار بأسماء المكتومين والأجانب بحسب سجلات الدولة آنذاك.

أمين موسى مراد من أبناء مدينة قامشلو يبلغ من العمر 78 عاماً احد المواطنين الذين كانوا ضحايا إحصاء عام 1962 جردت جنسيته منه، أوضح بأنه جرد من جنسيته بعد الإحصاء الذي جر عام 1962، حيث تم اجراء عملية الإحصاء وبعدها بشهرين قدم احد موظفي الدولة آنذاك إلى القرية وقام بإجبارهم على التوقيع على عريضة، السورية وتم هضم جميع حقوقهم كمواطنين يعيشون على ارضهم منذ القدم.

وبعد نصف قرن من الاضطهاد والاقصاء والتهميش وتجريد الآلاف من أبناء روج آفا من كامل الحقوق المشروع كمواطنين على ارضهم، كان لابد من إعادة النظر في مشروع إحصاء 1962 الجائر، وإعادة تثبيت حقوق كافة القاطنين في روج آفا. قامت الهيئة التنظيمية بالتعاون مع مركز الدراسات الاستراتيجية في مقاطعة الجزيرة بإجراء إحصاء جديد شمال سوريا.

غداً: …………….مشروع “أنا هنا” الاحصائي لرسم خطط مستقبلية عادلة

ANHA