الاتصال | من نحن
ANHA

أبعاد تحرير الرقة

طرحت سنوات الأزمة السورية بعض الجهات ومنها أحزاب وأشخاص كأمثلة دامغة على فئة السياسة الطفيلية؛ وهم جماعة/ ات اِعْتَشَتْ فترة طويلة على مشاريع نمطية وفئوية لا طائل منها إنما هي الخسران والتأسيس للأزمات ومن ضمنها الأزمة المعقَّدة في سوريا اليوم. جماعة التأدلج العروبي والتسييس الإسلاموي يضاف إليهما فئات طفيلية ترتعد من الحرية؛ لا تفسير غير ذلك؛ طالما هم موجودين في تلك الدوّامة. هؤلاء اكتسبوا في الحالة السورية إضافة إلى وظائفهم السابقة؛ وظيفة جديدة وهي التحول إلى أبواق بغية التشويش على كل خطوة تحرير ومكسب دبلوماسي يتم تحقيقه من قبل القوى السياسية والعسكرية التي شكلت الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا، وأيضاً تشويهها من كلٍّ بحسب موقعه ولكلٍّ بحسب اختصاصه.

الخطأ المشترك؛ المُرْتَكَبْ؛ من قبل الغالبية العظمى للمعارضة السورية من ناحية ومن ناحية أخرى سلطة النظام السوري؛ يكمن في أنهم يطرحون رؤى مُسَطّحة يسمونها بالحلول، يريدون أن يقبل بها الكرد في سوريا؛ حتى دون مناقشة. مثل هذا الطرح يبدو خاطئاً عليلاً لا طائل منه؛ يصل إلى درجة متقدمة من الخطورة المجتمعية ليصل حتى التهيئة إلى التقسيم. من يفكر بهذه الطريقة؛ غير الإنسانية قبل كل شيء؛ هم أنفسهم الذين رفضوا أن يكون للكرد أي دور في تحرير الرقة بحجة أنها منطقة عربية! دُعاة مثل هذا الرأي الأخرق؛ هم ضد سوريا؛ ضد أن تكون سوريا لكل السوريين، ومع أن تكون سوريا؛ صِرْف؛ طبقات؛ فيها شعوب أعلى وشعوب أدنى؛ أديان ومعتقدات فوقية وأخرى دونية؛ وأمور أخرى على شاكلتها مؤدية إلى المزيد من التفتيت. هؤلاء؛ من التشكيك؛ النظر إليهم بأنهم سوريين؛ بالأس والأساس.

مشكلة سوريا؛ كما مشكلة الشرق الأوسط المستحدث بعد خرائط سايكس بيكو؛ أن الانتماء الديمقراطي لم يحدث؛ أن الهوية الوطنية الديمقراطية لم تحصل؛ إن إدارة سوريا من قبل كل السوريين/ ممثليهم/ لم تُترجم بشكل فعلي وعبر عقد اجتماعي يضعه السوريين.

لأن الشعب الكردي جزء مهم من شعب سوريا؛ لأنهم مع ممثلي شعوب شمال سوريا الذين خطّوا مشروع الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا يؤسسون اليوم ماهية سوريا المستقبل: الطبيعة الاجتماعية، النظام السياسي، قضايا الدمقرطة، وأمور مهمة أخرى لا تقل أهمية عما ذكر. فإن أسْلَمَ توصيف لهم اليوم -أنهم يقودون عملية التغيير الديمقراطي في سوريا من خلال خصوصيتهم ومشروعهم الديمقراطي مع جميع الشركاء السوريين. كما أن وحدات حماية الشعب والمرأة وعموم فصائل قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من قبل التحالف الدولي بقيادة أمريكا؛ لديهم نتيجة اليوم؛ هي أنها ومن خلال كل جغرافية يتم تحريرها من الإرهاب أو الاستبداد يعني أن بقعة أخرى تحظى بضياء الشمس ويأفل منها ظلام الفكر التكفيري المدعوم من قبل سلطة/ ات الاستبداد في مقدمتها تركيا/ السلطنة العثمانية الجديدة/ مع من وجد في نفسه مُجنَداً بأجنداتها المدمِّرة. خطوة نوعية نحو حل الأزمة السورية.

دور الكرد في تحرير الرقة ثلاثي الأبعاد: قومي ووطني وإنساني عالمي

يتضح بداية على أنه قصور سياسي منتوج من ذهنية التخلف والعداء، ومَرَدّه وعي مدقع لبعض الأصوات التي خرجت من بعض الجهات سواء كانت كردية أو عربية بمفاد رفضها لمشاركة الكرد في تحرير الرقة من خلال وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة وعموم فصائل قوات سوريا الديمقراطية؛ علماً أن هذه القوات وهذه الوحدات غير مقتصرة على الكرد وحدهم، كما أنه من المعلوم فيما لو تتبعنا مركز الخيط الذي يحرّك هؤلاء جميعاً لوجدناه يَتَعَقَدُ في مركز واحد هو النظام الاستبدادي التركي؛ بما يمثّله من مُنَفِّذٍ لأجندات الأنظمة الاستبدادية الشرق أوسطية؛ مجتمعة أو منفردة. ليتضح أكثر بأن هؤلاء الرفضة كانوا وما زالوا ينسجون شِباك كثيفة بغية أن تتحول إلى حملة تشويشية تشويهية كما المعهود لتلك الأصوات النشاز المرافقة لحملات التحرير التي حققتها الوحدات بدء من سري كانيه/ رأس العين 2012 ومروراً بمقاومة كوباني 2014 وانتهاء بتحرير منبج 2016 واليوم في دكِّ (العاصمة) الإرهابية في عملية تحرير الرقة. وما بينها من أعوام وجغرافية في حملات تحرير القرى والمدن في روج آفا- شمال سوريا. من المؤكد بأن الدولة؛ بما تعنيه هذه الكلمة؛ من استقطاع للجغرافية ومن تضاد مع التاريخ ومن تناقض مع المستقبل سوف يتم تحريرها على يد الكرد بشكل مؤثّر ومن معهم من الشركاء، لكن؛ حقيقة التحرير هي حقيقة انتصار المشروع الديمقراطي المستند إلى فلسفة الأمة الديمقراطية كفلسفة نهضوية تنويرية على يد الفيلسوف وقائد الشعب الكردستاني أوجلان.

داعش المعروفة بأنها شركة مساهمة تحتل الأسهم التركية فيها حصة (الأسد)؛ فإن هذه الصنيعة التي وجدت لنفسها حاضنة في زمن الاستبداد وتعكزت على وجوده؛ إلّا أنها تبدو بخطر عالي الكثافة على الأسرة الدولية والإقليمية وعلى جميع المكونات السوريّة وبالأخص منها الشعب الكردي – مجزرة سنجار/ شنكال- غيض من فيض، وهجومها لسنوات متواصلة على تجربة الإدارات الذاتية أساس الفيدرالية الديمقراطية؛ وتهديدها على عموم أماكن تطبيق التجربة وفي الأماكن التي تستدعي الظروف المدنية والمجتمعية والتاريخية من تطبيق هذه التجربة الديمقراطية. فإنه من الواجب الطبيعي أن يكون الكرد في مقدمة المناهضين لداعش ( الفكر والوجود ومراكز صناعتها)، أَلَمْ تكن داعش تهدد الفكر التنويري والوجود الكردي والمشروع الديمقراطي الذي يقودونه ويقودون من خلاله التغيير في عموم الشرق الأوسط؟

إن مشاركة أو لنقل بشكل دقيق قيادة الكرد في تحرير الرقة يتعلق بالدفاع المشروع عن وجود الكرد المهددين من قبل الأنظمة الاستبدادية وأغلب معارضاتها السلطوية التي لا تختلف عنها ونظرياتهم المسطّحة ضد أيِّ حل ديمقراطي للقضية الكردية، وفي الوقت نفسه على عموم المكونات التي تصر على العيش المشترك الحصين.

على اعتبار أن الحرب في سوريا هي حرب مشاريع وأجندات مترامية الجغرافية وما فوق سوري في أغلبها؛ فإن مشروع الإدارات الذاتية التي أثبتتها وقائع سوريّة بأنها الحل؛ وبأن الحل في الفيدرالية الديمقراطية؛ فمن الطبيعي أن يكون هذا المشروع على مرمى نيران مدافع الإرهاب والأنظمة الإرهابية كما حال النظام في تركيا ومقاصده التوسعية الاستيطانية حيال سوريا والعراق مستخدمة في ذلك أدواتها وصنائعها الإرهابية، وقواسمها المشتركة مع الأنظمة الاستبدادية.

يجب النظر إلى تحرير الرقة بأنها مسألة ليست عسكرية فقط إنما تهيئة وسيعة للحل الديمقراطي وللأمن والاستقرار وتحقيق النهوض التنمية؛ تسبقه في ذلك خطوات وتتبعه خطوات ورؤية سياسية على أساس منحى واضح في أن الهدف من تحرير الرقة هو سياسي في مضمونه وتموجاته. وربما ما بعد تحرير الرقة ستؤدي إلى سوريا لن تشبه ما قبل تحرير الرقة، وأن التحصين الذي يطرأ حول وضوح رؤية الحل حينها لن تتأثر كثيراً بما سيأتي من خارج أطر الحل والجغرافية السورية ومن قبل بعض من المحليين الذين ما يزالوا يعيشون قبل 2011.

ما بعد تحرير الرقة

عزل تركيا العثمانية عن سوريا كانت أهم الخطوات التي تم القيام بها عن طريق البديل المناسب المتمثل بالفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا. وحينما يكون الحديث عن حل للأزمة السورية؛ عن سوريا لكل السوريين؛ خاصة إذا ما أدركنا أن تركيا الشعوب لم يُكتب لها الظهور حتى اللحظة. من حيث أن تركيا الشعوب الديمقراطية لو كانت موجودة ومُفَعّلة؛ فإنه من المؤكد لشهد السوريين – أقل ما يمكن قوله- اختصارات كثيرة في الدماء والدمار الذي نالهم؛ شيء متعلق بطبيعة الموقع الجيوسياسي السوريّ. وإعلان الأهداف السياسية للتحرير يقوّض فرص انتاج النظام الاستبدادي في دمشق ويضمن أي منع لمثل هكذا انتاج. الذهنية البعثية لا تقل خطراً عن الذهنية العثمانية فكلتيهما مسؤولتين عن دمار الشعوب في سوريا وتركيا وفي مقدمة تلك الشعوب؛ الشعبين العربي والتركي.

وما بعد تحرير الرقة سيكون أولى الخطوات نحو الحديث الجدّي عن الحل السياسي للأزمة السورية، وهذا ما سيترتب عنه تغيير جذري على الآليات المتعلقة بذلك. أبرزها؛ من الذي سيكون في الطرف الآخر النظام على طاولة المفاوضات؟ أيّها من المشاريع التي ستكون على تلك الطاولة؟ ماهية القضايا التي تضمن التغيير الديمقراطي لسوريا؟ النقاط المفصلية عن الدستور والمرحلة الانتقالية وعموم خارطة الطريق التنفيذية؟ هذه الأسئلة وعديد من تشبهها ستكون برهن ممثلي القوى السياسية والعسكرية في الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا؛ لا غيرهم من الذين اعتلوا طاولة المفاوضات تسللا وعنوة وتنفيذاً للأجندة الإقليمية الضيقة.

الرقة؛ ما بعد تحريرها لن تشبه سابقها. لأن الحروب حين تستعر ليس إلّا تفسيرَ البحثِ الموجَّه نحو الحل، وحينما تضع الحروب أوزارها فإنها تعني بأن وقت الحل قد حان. وما بعد الرقة يعني بالضبط أن تقرير المصير وفق التفسير الديمقراطي؛ بات وقته. وأن التوسيم الأنسب وفق الاعتقاد لمعركة تحرير الرقة من المفترض أن يكون: معركة الفيدرالية الأولى في سوريا.

مستشار الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي سيهانوك ديبو